يمثل التقرير الأول لمبادرة «صفر نفايات» العالمية لإزالة الكربون إضافةً جديدةً لجهود دولة الإمارات العربية المتحدة المتواصلة في مجال تعزيز الاستدامة. وتُعدُّ هذه المبادرة التي أطلقت خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «COP28»، الذي استضافته الدولة خلال الفترة من 30 نوفمبر حتى 12 ديسمبر 2023 في مدينة إكسبو دبي، إنجازاً بيئياً متقدماً، وهي تعكس إدراك دولة الإمارات لمسؤوليتها العالمية ودورها الريادي في التصدي للتداعيات السلبية للتلوث البيئي والتغيرات المناخية. وتتطلع هذه المبادرة العالمية التي أطلقتها مجموعة «تدوير»، بالتعاون مع وزارة التغير المناخي والبيئة، إلى جانب 50 جهة مساهمة، إلى التوسع في نطاق عملها خلال العام الجاري، بالنظر إلى الأهداف الكبيرة التي تسعى لتحقيقها ضمن مفاهيم التنمية المستدامة.
ويعكس التقرير الأول للمبادرة، الذي خصص لسياسات التغيير، ركائزَها الجوهريةَ المتمثلةَ في توسيع نطاق أطر البيانات وتوطينها، وتمويل إزالة الكربون، وحلول إعادة التدوير المتقدمة، والنماذج التشريعية والمعايير العالمية، وخرائط الطريق القطاعية لإزالة الكربون، إضافة إلى الاقتصاد السلوكي والمشاركة المجتمعية.. وهي المجالات التي تعكس توجهات الإمارات في تعزيز دور المجتمع والتوجه نحو مزيد من الاستفادة من اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي ودعم الابتكار في كافة المجالات.
ويمتد تأثير مبادرة «صفر نفايات»، التي تحمل هدف التخلص من الانبعاثات المسببة للتغير المناخي، إلى ما هو أبعد من مسائل مكافحة التلوث البيئي لتحقيق هدف جوهري، هو استدامة المجتمع ككل، بدايةً من تحقيق المظهر الحضاري للمدن، وصولاً لتحسين الصحة العامة، وإعادة تشكيل مفهوم التعامل مع البيئة من منظور اقتصادي مستدام، فمبادرة «صفر نفايات» تحمل مفهوم الاقتصاد الدائري المختلف عن الاقتصاد التقليدي القائم على الاستهلاك غير المسؤول، والذي لا يلقي بالاً لتبعات الاستهلاك المفرط في تراكم النفايات وزيادة الضغوط على الموارد الطبيعية لتلبية هذا الطلب المتزايد، بينما يترجم الاقتصاد الدائري أحد أهم الأهداف الأممية للتنمية المستدامة، وهو الإنتاج والاستهلاك المستدامان. ويُعنى الاقتصاد الدائري بخفض الاستهلاك غير الضروري وتطوير آليات لخفض النفايات من المنبع، عن طريق تعزيز كفاءة التصميم والمواد المستخدمة للإنتاج. وفي إطار ما يعانيه العالم من ضغوط تتعلق بتأمين سلاسل الإمداد، فإن الاقتصاد الدائري يطرح حلاً لأزمة الاستهلاك المفرط، عن طريق توفير مصدر جديد للموارد من خلال إعادة الاستخدام أو التدوير.
ولعل أحد أبرز التطبيقات في هذا المجال في دولة الإمارات هو إنتاج وقود الطائرات المستدام من المخلفات، وهو المجال الذي اتخذت فيه الدولة إجراءات جادة ورائدة تمثلت في إصدار السياسة العامة لوقود الطيران المستدام في الدولة منذ ديسمبر عام 2023. هذا المثال وأمثلة أخرى تأتي ضمن جهود تنفيذ «أجندة الإمارات للاقتصاد الدائري 2031». وقد شمل التقرير الأول لمبادرة «صفر نفايات» العديد من القضايا الحيوية، مثل تعزيز الحوافز الرئيسية وراء إعادة التدوير، وفرض تسعير للكربون، ورسوم على مكبات النفايات، وإنشاء قاعدة بيانات لإدارة النفايات مقرها دولة الإمارات.. وكل ذلك يؤكد حقيقة أن التزام دولة الإمارات بالاقتصاد الدائري هو نهج شامل يعزز القدرة التنافسية، ويحفز الابتكار، ويمهد الطريق لنمو يراعي تحقيق الحياد المناخي.
وقد سبق لمبادرة «صفر نفايات» أن نشرت في نوفمبر الماضي تقريراً بحثياً ركز على دور النفايات كأحد الحلول القابلة للتطوير في إزالة الكربون والتوصل إلى ممارسات ذات انبعاثات صفرية صافية. وأوضح ذلك التقريرُ البحثي الدورَ الكبيرَ الذي يلعبه قطاع النفايات في الانبعاثات العالمية، من خلال تبني واستخدام حلول تكنولوجية متقدمة تعمل على تحويل النفايات إلى موارد مثل الهيدروجين ووقود للطائرات.تتضمن المبادرات البيئية التي تطبقها دولة الإمارات خطوات جوهرية نحو تحويل قطاع النفايات إلى قطاع دائري منخفض الكربون، من خلال تطبيق حلول متقدمة ومتطورة، تشكل نموذجاً يحتذى به عالمياً في مجال العمل البيئي، وبناء بيئات صحية ومجتمعات آمنة، واقتصاد ذي كفاءة عالية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


