وصف رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، التحول الدرامي في السياسة العالمية، الذي ساعده على الفوز في الانتخابات الأسبوع الماضي، بعدما كان متأخراً في استطلاعات الرأي، بأنه «لحظة مفصلية في التاريخ».
ومع ذلك، ربما كان يصف أيضاً ثلاث انتخابات ديمقراطية أخرى تلت ذلك بتتابع سريع خلال الأيام القليلة الماضية: في بريطانيا وأستراليا ورومانيا. فجميعها جزء من معركة حول الشكل المستقبلي للديمقراطية على مستوى العالم، وتتمحور حول سؤالين رئيسيين:
هل سيتمكن السياسيون الوسطيون، الذين طالما هيمنوا على الحكومات الديمقراطية، من إيجاد وسيلة لإسكات نغمة الغضب القومية المعادية للمؤسسات؟
وهل سيكون ما جرى في الولايات المتحدة مصدر إلهام قوي، أم عبرة تحذيرية، للناخبين في ديمقراطيات أخرى؟
في اثنتين من القوى الكبرى في أوروبا، بريطانيا وألمانيا، ظهرت هذا الأسبوع تذكيرات صارخة بصعوبة المهمة، التي تواجه القادة الوسطيين، إذا ما أرادوا وقف موجة الدعم المتزايدة لأحزاب اليمين المتشدد.
ففي الانتخابات المحلية الإنجليزية، فاز حزب «الإصلاح في المملكة المتحدة»، بقيادة «نايجل فاراج»، بأغلبية ساحقة. وتُظهر استطلاعات الرأي الوطنية أن الحزب يتفوق بسهولة على حزب «المحافظين» التقليدي، ويتعادل أو يتقدم بفارق ضئيل على حزب «العمال» بقيادة رئيس الوزراء «كير ستارمر».
أما في ألمانيا، فقد احتاج المستشار «فريدريش ميرتس»، المنتمي ليمين الوسط، إلى جولة تصويت ثانية مُحرجة في البرلمان لتأكيد تحالفه الجديد مع الحزب «الديمقراطي الاجتماعي» من «يسار الوسط»، في وقت تُظهر فيه الاستطلاعات استمرار ارتفاع شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتشدد.
وعلى الجبهة الشرقية لأوروبا، فاز القومي اليميني «جورج سيميون» بالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في رومانيا، بأكثر من 40% من الأصوات، وهو ما تجاوز توقعات الاستطلاعات. ومع ذلك، سيستمد المعتدلون في أوروبا بعض الطمأنينة من فوز كارني في كندا، وإعادة انتخاب رئيس وزراء أستراليا «أنتوني ألبانيزي» نهاية الأسبوع الماضي. في كلتا الحالتين، كانت أحزاب المعارضة اليمينية تتصدر استطلاعات الرأي، مرددة رسائل مناهضة للمؤسسات والمعادية للمهاجرين. لكن عندما تعرض كلا البلدين لرسوم جمركية، تمكّن المعتدلون من العودة إلى الحكم عبر دعوات للوحدة الوطنية، والتسامح، والحكم المسؤول.
وهذه هي الاستراتيجية التي يأمل قادة بريطانيا وألمانيا اتباعها قبل الانتخابات الوطنية المقبلة في بلديهم، والمقرر إجراؤها خلال عدة سنوات. لكنهم يدركون أنهم لا يستطيعون الاعتماد ببساطة على «دعم ترامب» لتغيير حظوظهم السياسية، على الرغم من تدني شعبيته على نطاق واسع في كلا البلدين. سيتعين عليهم إيجاد طريق للخروج من صعوباتهم بالحكم. فبينما أظهر قادة كلٍّ من حزب «الإصلاح» في المملكة المتحدة وحزب «البديل من أجل ألمانيا» قدرةً على تأجيج غضب الجماهير، فإن هذا الغضب حقيقي، وسيتعين على الأحزاب الرئيسية معالجة جذوره إذا أرادت استعادة الدعم. وفي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل -وهي الهجرة- أعرب كل من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني ميرتس عن عزمهما تشديد الرقابة على الحدود.
لكن المصدر الرئيسي للغضب هو الاقتصاد - الراكد في كلا البلدين، حيث تتدهور مستويات المعيشة أو تظل ثابتة للعديد من المواطنين. وتزداد الفجوات الاجتماعية اتساعاً بين المدن والريف، وبين غرب وشرق ألمانيا، وفي بريطانيا بين لندن والشمال. وهناك شعور سائد لدى كثير من مؤيدي «الإصلاح» و«البديل» بأنهم يُحكمون من قبل نخب سياسية حضرية في معظمها، بعيدة كل البعد عن الحياة اليومية للمواطنين العاديين. و
هذا يُفسر الأولوية السياسية الأبرز للقادة الألمان والبريطانيين: الاستثمار في مستقبل بلديهما وإنعاش النمو الاقتصادي. لكن النتائج لن تظهر بين عشية وضحاها. وحتى يتمكنوا من تقديم تحسن ملموس في حياة الناس، يجب عليهم إيجاد طريقة لخفض حدة التوتر السياسي. يجب أن يقنعوا الناخبين الساخطين بأنهم يصغون إليهم، ولكن أن الحكم أمر معقد، وأن التغييرات الكبرى تستغرق وقتاً. هذا التغير في نبرة الخطاب السياسي هو ما يبدو أن قادة كندا وأستراليا قد حققوه - على الأقل في الوقت الراهن.
ففي مناظرة قبل الانتخابات في أستراليا، عندما اتهم زعيم المعارضة «بيتر داتون» السيد ألبانيزي بالضعف، رد قائلاً: «اللطف ليس ضعفاً». أما كارني، فقد قال في كلمته بعد فوزه، إن بلاده بحاجة إلى مواجهة «لحظة مفصلية في التاريخ» عبر اتباع «طريق الديمقراطية والحرية، وبما أننا كنديون، فلنفعل ذلك بالتعاطف والكرم».
ومع ذلك، فقد أقر كلاهما بأنه سيتم الحكم عليهما بناءً على ما إذا كانا سينجحان في تحقيق الازدهار الاقتصادي - وهي مهمة أصبحت أكثر صعوبة بسبب تهديدات بفرض رسوم جمركية على شركاء تجاريين تقليديين. حتى الآن، يبدو أن الوسط السياسي لا يزال صامداً في كندا وأستراليا، ويأمل قادة بريطانيا وألمانيا في أن يسيروا على هذا النهج. لكن في مواجهة الحماسة الشرسة لخصومهم المتشددين، عليهم أن يفعلوا أكثر من مجرد الصمود. عليهم أن يعيدوا التواصل مع الناخبين - وربما حتى يعيدوا ابتكار فكرة الحكم - إذا أرادوا الانتصار.
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع حدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


