حين تعود الدولة إلى الدولة، وحين تفتح الإمارات أبوابها، يدرك اللبنانيون أن الأمل لا يُستجدى، بل يُبنى. زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى دولة الإمارات خلال الأيام الماضية لم تكن بروتوكولية ولا مجاملة، بل محطة مفصلية في مسار استعادة الدولة اللبنانية لعافيتها، ورسم ملامح شراكة عربية جديدة يكون عنوانها: الاستقرار، السيادة، والإصلاح. في قصر الشاطئ بأبوظبي، حيث انعقدت القمة اللبنانية-الإماراتية، كان المشهد أكثر من رسمي. كان سياسياً وإنسانياً واستراتيجياً في آنٍ واحد. الإمارات تمدّ يدها مجدداً إلى لبنان، ليس من باب الحنين إلى الماضي، بل من باب الإيمان بأن لبنان ما زال يستحق فرصة جديدة، وأن العودة إلى العمق العربي هي أول الطريق نحو استعادة السيادة والقرار. صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أكد دعمه الثابت لوحدة لبنان واستقراره، مشدداً على أهمية أن يعود لبنان قوياً بمؤسساته، مزدهراً بشعبه، منفتحاً بعلاقاته.

ومن جانبه، عبّر الرئيس اللبناني عن شكره للإمارات، وقالها بوضوح: «الدولة بدأت تستعيد حضورها… والماضي أصبح خلفنا». الزيارة التي قام بها الرئيس اللبناني إلى الإمارات لم تكن رمزية، بل أسفرت عن نتائج عملية ملموسة ترسم بداية جديدة. أولاها، رفع الحظر عن سفر المواطنين الإماراتيين إلى لبنان، وهو قرار له أبعاد أمنية واقتصادية وسياسية في آن. وثانيتها، الإعلان عن مجلس أعمال مشترك بين البلدين، يعكس إرادة حقيقية في بناء شراكة تنموية تعود بالفائدة على الشعب اللبناني.

وثالثتها، إطلاق برامج تبادل معرفي حكومي، وجميعها خطوات تُظهر حرص الإمارات على نقل تجربتها الناجحة في الإدارة إلى دولة ما زالت تعاني شللاً مؤسساتياً عميقاً. لكن ما بين هذه العناوين الرسمية، هناك رسالة أكبر وأكثر عمقاً، يفهمها جيداً من يعرف السياسة العربية. الإمارات لم تعد تدعم لبنان عاطفياً فقط، بل تدعوه إلى النهوض بشروط الدولة: لا سلاح خارج الشرعية، لا قرار خارج المؤسسات، ولا اقتصاد دون سيادة على الأرض والمعابر والقرار. هذه الرسائل لا تأتي فقط من أبوظبي، بل تتقاطع مع موقف دولي متزايد يشترط أي دعم للبنان بوضوح الخطاب السياسي، وحصر السلاح بيد الدولة، وبدء ورشة إصلاح جدّية.

فالعالم العربي والعواصم الكبرى تعبوا من المراوغة السياسية اللبنانية، وملّوا من المعادلة التي تجعل من المساعدات وسيلة لإنقاذ منظومة لم تنوِ الإصلاح يوماً. الإمارات، كما كانت دائماً، لا تفرض، لكنها توضّح، لا تملي، لكنها تنبّه. لبنان اليوم على مفترق طرق حاسم، وعليه إدراك إنه لا يمكن أن يكون شريكاً في مشروع عربي كبير وهو يُمسك بيده الأخرى سلاحاً خارج الشرعية، فلا يمكن أن تطلب دعم العالم وأنت لم تحسم خيارك بين الدولة والدويلة.

ولأن الوقت لا ينتظر، جاءت هذه الزيارة لتضع القيادة اللبنانية أمام لحظة حقيقة، وأمام سؤال جوهري مؤداه: هل نحن مستعدون لفتح صفحة جديدة، أم أننا سنبقى أسرى شعارات «المقاومة» التي تحوّلت إلى غطاء لتفكيك الدولة، وإعاقة أي مشروع إصلاحي أو إنقاذي؟ وهل يدرك اللبنانيون أن النموذج الإماراتي ليس فقط قصة نجاح اقتصادي، بل قصة دولة بنت قرارها على الاستقرار، واحترام القانون، والابتعاد عن منطق السلاح؟ في لحظة فارقة من تاريخ لبنان، تُمد إليه يدٌ عربية صادقة. الإمارات فتحت الباب، فإما أن يعبره لبنان نحو دولة تحكمها السيادة ويحرسها الجيش، أو يبقى رهينة سلاح يُكبل الدولة ويُضيّع الوطن. وهنا يتعين على لبنان إعادة البناء على أسس تُشبه طموحات شعبه لا حسابات أحزابه. الفرصة أمامه وينبغي أن يغتنمها وألا يكرر أخطاء الماضي.

*لواء ركن طيار متقاعد