في إطار الحرص على تعزيز الريادة في مجال العمل البيئي، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة بذل الجهود العلمية، وإطلاق المبادرات العملية للمحافظة على البيئة وحماية التنوع البيولوجي والموائل الطبيعية فيها.
ومن بين أحدث المبادرات والمشاريع البيئية في هذا الصدد مشروع استزراع الشعاب المرجانية؛ حيث وجّه سموّ الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثِّل الحاكم في منطقة الظفرة، رئيس مجلس إدارة هيئة البيئة- أبوظبي، بتوسيع نطاق مشروع الهيئة لإعادة تأهيل الشعاب المرجانية في أبوظبي باستزراع أكثر من 4 ملايين مستعمرة مرجانية في مياه الإمارة بحلول عام 2030، لتغطّي مساحة تُقَدَّر بأكثر من 900 هكتار، ما يجعله أكبر مشروع لإعادة تأهيل الشعاب المرجانية في العالم.
وقد دأبت هيئة البيئة- أبوظبي، منذ انطلاقها عام 1996 على إطلاق المبادرات والبرامج الهادفة لحماية البيئة، وتعزيز الحياة الفطرية والتنوع البيولوجي، حتى أصبحت أحد أهم المؤسسات البيئية المتخصصة على مستوى الشرق الأوسط، ولا يقتصر نشاط الهيئة على إمارة أبوظبي، بل يمتد نشاطها البيئي إلى المستويين الإقليمي والدولي، وقد نجحت الهيئة خلال الفترة الماضية في الوصول إلى هدف إعادة تأهيل مليون مستعمرة مرجانية في 8 مواقع مختلفة في إمارة أبوظبي، بلغ مجموع مساحتها أكثر من 300 هكتار، ما زاد من مساحة الشعاب المرجانية في الإمارة، وشهدت المناطق التي أُعيد تأهيلها معدل نجاح يتجاوز 95%.
وتتمتع الشعاب المرجانية بأهمية بيئية واقتصادية كبيرة، فهي تُعد موطناً لأكثر من 25% من جميع أشكال الحياة البحرية، كما أنها تساعد في حماية السواحل من التآكل والعواصف، إضافة إلى أنها توفر مصادر غذائية ودوائية للإنسان. ومن المؤسف حقاً أن العديد من المناطق حول العالم تشهد تدهوراً في الشعاب المرجانية بسبب التدخلات والأنشطة البشرية، وبعض الظواهر الطبيعية.
ويتضمَّن نطاق مشروع إعادة تأهيل الشعاب المرجانية في إمارة أبوظبي تطوير حضانات الشعاب المرجانية التي تساعد على التخفيف من التأثير السلبي للضغوط الطبيعية والبشرية على الشعاب المرجانية الناشئة عن التنمية الساحلية وتغيُّر المناخ، ويشمل ذلك التهديد المباشر لارتفاع درجات حرارة مياه البحر.
وشملت المرحلة الأولى من المشروع تقييم الموائل الطبيعية للمرجان، واختيار مواقع للحضانات، وفقاً لمعايير جودة المياه والأعماق ودرجات الحرارة، ثم إنشاء عدد من هذه الحضانات تحت الماء، لرعاية الشعاب المرجانية التي جُمعت من مناطق محدَّدة بإنتاجية تصل إلى مليون مستعمرة من المرجان. فيما تشتمل المرحلة الثانية من المشروع على حصاد مخزون حضانة الشعاب المرجانية، ونقله إلى مواقع مختلفة لإعادة تأهيلها واستعادة النظام المرجاني، ويتم في المرحلة الثالثة استكمال حصاد مخزون الحضانة، لترميم المواقع من خلال نقل المرجان إلى المناطق المتدهورة.
وقد بدأت المواقع المُعاد تأهيلها بإظهار علامات التعافي، وتشكُّل المظاهر الحيوية حولها، مثل زيادة مخزون الأسماك والتنوُّع البيولوجي بنسبة 50%، واستمرَّت الشعاب المرجانية في الحضانات وجميع المناطق التي أُعيد تأهيلها في النمو حتى خلال فصل الصيف، ما يدل على مقاومتها العالية وتحمُّلها للظروف المناخية الصعبة.
ومن الجدير بالذكر أيضاً أن وزارة التغير المناخي والبيئة قد نفذت العديد من البرامج والمبادرات لتثبيت واستزراع الشعاب المرجانية بالدولة، بالتنسيق والتعاون مع الجهات المختصة في كل إمارة، ومن أبرزها مشروع بحثي لاستزراع 24 نوعاً من المرجان في سواحل الدولة، وأعدت الوزارة خارطة للتوزيع الجغرافي للشعاب المرجانية على طول الشريط الساحلي للدولة، تم من خلالها رصد 210 مواقع لوجود الشعاب المرجانية، وتسجيل أكثر من 55 نوعاً من المرجانيات الصلبة.
إن رؤية دولة الإمارات ارتكزت منذ نشأتها على نهج صديق للبيئة، استهدف تبني أفضل السبل التي تحافظ على البيئة البحرية على وجه الخصوص، انطلاقاً من رؤى ومبادئ علمية رصينة. ومما لا شك فيه أن مشروع إعادة تأهيل الشعاب المرجانية في أبوظبي، يَعكس حرص الإمارة ودولة الإمارات بشكل عام على دعم النهج العلمي في حماية البيئة البحرية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، كما يُعد هذا المشروع أساسياً في دعم المخزون المحلي للأسماك، بالنظر إلى ما تمثله هذه الشعاب من موائل طبيعية لأنواع مختلفة منها.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.