في اليوم الدولي للحوار بين الحضارات، الذي يوافق العاشر من يونيو، تؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة من جديد التزامها الراسخ هذا النهج، ومضيَّها قدماً في دعم كل جهد يسهم في التقريب بين الشعوب، ويعزز قيم السلام والتسامح، لمصلحة حاضر البشرية ومستقبلها المشترك.
والحاصل أنه في عالم تتسارع فيه التحوّلات، وتتعمّق فيه التحدّيات العابرة للثقافات، يبرز الحوار بين الحضارات ضرورةً ملحّةً لبناء التفاهم، وتعزيز الاستقرار، وتحصين المجتمعات من الانقسام والتطرّف، فمع تزايد النزاعات، وتنامي خطابات الإقصاء، لم يعُد الحوار خياراً ثقافياً، أو ترفاً فكرياً، بل أصبح حاجة إنسانية، وأداة مركزية لصون الأمن والسلم الدوليّين.
وقد وضعت دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ نشأتها عام 1971، أسساً واضحة لانفتاحها الحضاري، استلهمتها من إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله - الذي آمن بأن الحوار هو أفضل سبيل لتحقيق السلام والتنمية، وقد انعكست هذه الرؤية في نهج الدولة، الذي يوازن بين الحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية، والانفتاح على الآخر، والتفاعل الإيجابي مع مختلف الثقافات والشعوب.
واليوم تواصل القيادة الرشيدة ترسيخ هذا النهج، من خلال سياسات واضحة ترفض الإقصاء والتطرف، وتؤمن بأن احترام التعدديّة، وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة، هما السبيل نحو الاستقرار إقليميّاً وعالميّاً.
ويعيش على أرض دولة الإمارات أبناء أكثر من 200 جنسية، يمثلون أطيافاً متنوعة من الخلفيّات العرقية، والدينية، والثقافية، وهو ما يعكس نجاح الدولة في بناء نموذج مجتمع تعدّدي، يقوم على احترام الآخر، وسيادة القانون، وحرية المعتقد، والمساواة في الفرص والمعاملة. ولم يكن هذا النموذج وليد المصادفة، بل هو نتيجة رؤية حكومية واعية، جعلت من التسامح قيمة مؤسسية، تُتَرجم من خلال القوانين، والمؤسسات، والمبادرات المجتمعية والتعليمية.
وكانت دولة الإمارات سبَّاقة إلى إنشاء وزارة للتسامح والتعايش، تُعنى بتعزيز هذا النهج، فضلاً عن تنظيمها فعاليات كبرى مثل المهرجان الوطني للتسامح، ومبادرات مثل بيت العائلة الإبراهيمية، تحتفي بالديانات السماوية الثلاث تحت سقف واحد.
وفي فبراير 2019 احتضنت العاصمة أبوظبي توقيع وثيقة الأخوّة الإنسانية بين فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية السابق، في حدث تاريخي غير مسبوق، مثَّل إعلاناً إنسانيّاً شاملاً يدعو إلى الحوار، ونبذ العنف، ومواجهة التطرف، وتعزيز قيم الرحمة والسلام بين البشر. وقد حظيت الوثيقة بترحيب واسع من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وعُدّت إطاراً مرجعيّاً لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، في ظل تحدّيات عالمية متصاعدة.
وقد اتخذت السياسة الخارجية لدولة الإمارات من الحوار والتفاهم ركيزة أساسية في علاقاتها الدولية، إذ تؤمن الدولة بأن الأمن والاستقرار لا يتحققان عبر القوة وحدها، بل عبر الحوار الثقافي والديني والحضاري. وقد تَرجمت ذلك من خلال مشاركاتها الفاعلة في المنظمات الدولية المعنية بالحوار، مثل تحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة، واليونسكو، إضافة إلى دعمها المبادرات التي تشجِّع على التقارب بين الشعوب.
كما أسهمت دولة الإمارات في الوساطة الإنسانية والثقافية بين دول وشعوب ذات توجهات وخلفيات متباينة، الأمر الذي عزز صورتها الدولية بصفتها دولة راعية للسلام، وصانعة للجسور بين الحضارات.
كما يشكّل البُعد المعرفي والفكري أحد المرتكزات الأساسية في دعم الحوار بين الحضارات، إذ إن مواجهة التحدّيات الثقافية، وسوء الفهم المتبادل، تبدأ من تعزيز الفهم العلمي والمنهجي للآخر. وفي هذا السياق تسهم الإمارات بفاعلية في إنتاج ونشر خطاب معرفي عقلاني، يُعلي من قيم الانفتاح والتسامح، ويعزز من ثقافة التعددية، ويواجه الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية.
إن التحدّيات التي يشهدها العالم اليوم من نزاعات وصراعات، وتنامٍ في الانغلاق الثقافي والديني، تؤكد أن الحوار بين الحضارات لم يعد خياراً فكرياً نخبوياً، بل ضرورة إنسانية لحماية المجتمعات وتعزيز الاستقرار. وفي هذا الإطار تمثل دولة الإمارات نموذجاً عملياً للدور الإيجابي الذي يمكن أن تؤديه الدول في تعزيز الحوار الحضاري، من خلال المزج بين السياسات المتزنة، والمبادرات المؤثرة، والرؤية الإنسانية الشاملة.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


