إذا فقدت الجماهير القدرة على التفكر الواعي المنطقي قبل التفكير، فإنها تسلم رقبتها لخطابٍ يصنعه غيرها.
ومنذ أن تحدث أفلاطون في كتابه «الجمهورية» عن وهم العدالة حين تدار الدولة بالرأي العام غير المستنير، والعقل الجمعي ظل مفهوماً مركزياً في التفكير الفلسفي والسياسي ليومنا، غير أن تطور أدوات السيطرة النفسية والتكنولوجيا الرقمية، جعل الجماهير اليوم تعيش داخل ما أسماه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس «الفضاء العام المزيف»، حيث يعاد تشكيل وعيها يومياً، دون أن تدرك ذلك. العقل الجمعي لا يبرح مكانه بين الغريزة والسيطرة، وتأثر إقرار الفرد وإيمانه بأمر ما، برأي وإقرار المجموعة. ويعرف عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر العقل الجمعي بأنه «الامتداد النفسي لرد الفعل الغريزي في مجموع بشري منسجم»، أي أن العقل الجماهيري لا يفكر كما يفعل الفرد، بل يتصرف وفق محفزات عاطفية، غالباً خارج نطاق المنطق النقدي.
وما ينطبق في الحياة اليومية للمجتمع في الواقع المادي ينطبق عليه في الواقع الافتراضي، وهو أمر في غاية الأهمية، ويجعل الأفراد ضمن ضحايا غسيل دماغ وبرمجة عصبية ورسائل وموجات خفية لا تبقي ولا تذر. في دراسة نشرتها جامعة ستانفورد عام 2023 وشارك فيها 22 ألف مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، تبين أن المحتوى العاطفي (الغضب، الخوف، الفخر القومي) ينتشر بنسبة 74% أسرع من المحتوى المعتمد على البيانات.
وتبين أن هذا النوع من المحتوى هو الأكثر تأثيراً في حملات التلاعب السياسي، سواء في دولة كأميركا وبريطانيا، أو في دول ذات نظم سياسية مختلفة تعتمد على التوجيه الرسمي والإغواء الجماعي ووفق أبحاث جامعة كوليدج لندن (UCL)، عندما تنخرط الجماهير في رأي جمعي، يقل النشاط في قشرة الفص الجبهي الأمامي، وهي المسؤولة عن اتخاذ القرار العقلاني.
ويزداد نشاط «اللوزة الدماغية» المرتبطة بالخوف والانفعالات، مما يجعل الأفراد يتخذون قرارات ضد مصالحهم الشخصية عندما تكون متوافقة مع الجماعة – تماماً كما حدث في تجربة الدكتور «سلومون آش» الشهيرة للامتثال الجماعي. كما يرى المفكر والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة لا تُمارس فقط عبر السجون والجيوش، بل من خلال «إنتاج الحقيقة». وهنا تلعب وسائل الإعلام والتكنولوجيا الدور الحاسم في تشكيل «ما يجب أن نعتقده». ليس لأن ما يعرض حقيقة، بل لأنه يتكرر حتى يتم تصديقه، وحين تُفرض سرديات معينة على العقل الجمعي – كما في تغطية الحروب والنزاعات المسلحة أو غير المسلحة، يصبح الرأي العام العالمي مرآة للخطاب المسيطر والمسيطر عليه، لا للواقع الفعلي. لذلك، ترتبط السياسة الحديثة ليس فقط بالقوة، بل بالقدرة على احتكار المعنى أو إعطائه معنى وبعداً مختلفين، أو التركيز على النقاط غير المهمة وتعظيم معناها وحقيقتها. في البرازيل، أدت حملة سياسية على TikTok في انتخابات 2022 إلى إعادة انتخاب رؤساء شعبويين رغم الفشل الاقتصادي. وفي العراق ولبنان، كانت الجماهير محركاً رئيسياً للتغيير، لكن دون رؤية استراتيجية، فاستدرجت نحو الاستنزاف.
وأما في فنلندا، فتمكنت الحكومة من خفض انتشار الإشاعات السياسية بنسبة 42% عبر برنامج وطني لتعليم التفكير النقدي في المدارس والإعلام. مما يدل أن العقل الجمعي يمكن ترويضه أو تحضيره، بحسب النظام الأخلاقي والثقافي الذي يتبناه المجتمع. ويعتقد العالم النفسي كارل يونغ أن «ما لا نواجه في وعينا، يظهر في مصيرنا كقدر»، وإذا لم تعِ الجماهير آليات توجيهها النفسي، فإنها لن تتحرر، بل ستعيد تدوير استلابها بأسماء جديدة بين الحقيقة الجماعية والاستعباد العاطفي.
إذاً العقل الجمعي ليس خطيئة، بل مرآة، لكنه يحتاج إلى تغذية فكرية وأخلاقية، لا مجرد «بيانات معلبة» توزعها المنصات السياسية.
وإذا أردنا أن نبني أوطاناً لا تُختطفْ شعوبُها بالشائعات، فعلينا أن نُربّي جيلاً لا يُصفق دون أن يسأل، ولا يُعارض دون أن يفكر. وفي النهاية، الجماهير لا تصنع التغيير إلا عندما تتحول من جمهور إلى مجتمع واعٍ، وذلك يجب أن يكون كبشر مشروعُنا الأخلاقي الأعظم.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


