الحملة الحكومية ضد الهجرة غير الشرعية، والاضطرابات الناجمة عنها في لوس أنجلوس ومدن أخرى، ورد فعل الحزب الديمقراطي على أعمال الشغب، كلها تشهد على اختلال السياسات في الولايات المتحدة. لكنها تثير سؤالاً أعمق وأكثر إثارةً للقلق: بأي معنى لا تزال الولايات المتحدة، كما تحب أن تعتقد، دولة قانون؟
في دولة القانون، قد تتوقع أن يفهم الناس ليس فقط ما يقوله القانون، بل أيضاً ما يتطلبه فعلياً، وهو تمييز مهم. في الولايات المتحدة، غالباً ما تكون الفجوة بين الاثنين واسعة. وقانون الهجرة حالة بالغة الأهمية في هذا السياق. فبدلاً من توضيح متطلباته والسعي إلى تنفيذها بشكل مستقر ويمكن التنبؤ به، يتلاعب الساسة بثغرات القانون وغموضه لأغراض حزبية. والنتيجة هي الظلم، إلى جانب أضرار جانبية هائلة.
من نافذة مكتبي في واشنطن العاصمة، أطلّ على تقاطع مروري معقد بشكل غير عادي. ويمكنني أن أعدّ (بشكل متحفظ) مخالفةً قانونية واحدة على الأقل في الدقيقة. لكن وجود سيارة شرطة متوقفة عند الزاوية لا يُحدث فرقاً يُذكر. لقد قررنا، بطريقة ما، أن هذه القواعد لن تُطبَّق، وأن القانون لا يعني ما يقوله حرفياً.قوانين الهجرة تشبه هذه الحال، لكن ربما يمكن تشبيهها أكثر بقوانين السرعة على الطرق السريعة، حيث يُفهم أنك تزعج السائقين الآخرين إن التزمت بها بدقة. لدى الولايات المتحدة ملايين المهاجرين على أراضيها بشكل غير قانوني، وسينهار الاقتصاد من دونهم. ويرغب أرباب العمل في توظيفهم. هذه «الدولة» التي تحكمها القوانين تحظر ذلك، لكنها تسمح به في الوقت نفسه. فالحكومة الفيدرالية تفرض ضرائب على أجورهم. كما تحصّل الحكومات المحلية والولايات الضرائب منهم وتوفر لهم بعض الفوائد والتسهيلات. وبعض المدن تفخر بتسميتها «مدن ملاذ». تنص القواعد على «ممنوع الدخول»، لكنها لسنوات كانت تعني «تفضل بالدخول».
لقد سُمح للملايين، بل شُجّعوا - ضمنياً - على البقاء في البلاد بشكل غير قانوني. وقد عملوا لسنوات، واندمجوا في المجتمعات، وأسسوا عائلات مع أطفال قد يكونون مواطنين أميركيين. وفجأة، أصبحوا مهددين بالاعتقال والترحيل. لا تقتصر الحملات على مَن ارتكبوا جرائم أخرى. بعضهم اعتُقل وسُجن لمخالفات في المعاملات الورقية، أثناء حضوره مواعيد مراجعة طلبات الحصول على الجنسية. قد تقول إن القانون يُطبق، لكن لا يمكن لأي شخص منصف أن يعتبر هذه الحملة العشوائية لائقة أو عادلة.ولكي نكون واضحين، هذه ليست دعوة لتجاهل القانون، بل دعوة لإصلاح القانون. يجب أن تتماشى القواعد مع مصالح البلاد، ما يعني أنها يجب أن تسمح بمزيد من الهجرة القانونية. كما يجب أن تكون مستقرة، ويمكن التنبؤ بها، وقابلة للتنفيذ، وتُطبق باستمرار. في دولة القانون، ينبغي أن يعرف الناس، سواء أكانوا ملتزمين أم مخالفين، وضعهم القانوني بدقة.
«الديمقراطيون» محقّون في التعبير عن تعاطفهم مع مَن تأثروا بهذا التحول العنيف. لكن المشكلة نشأت جزئياً لأن الساسة، وغالباً بذريعة «التعاطف»، قاموا بتعقيد قوانين الهجرة وتضليل الناس بشأنها.
خلال إدارة بايدن، كان بإمكان المهاجرين المحتملين استخدام تطبيق «CBP One» لتحديد مواعيد عند المعابر الحدودية التي تمنح «إفراجاً إنسانياً مؤقتاً»، ريثما يتم النظر في طلبات اللجوء، الأمر الذي كان ينظر ببطء. كان من المرجح أن تُرفض معظم هذه الطلبات. لا يهم: «تفضل بالدخول».
ألغت إدارة ترامب هذه السياسة. وفجأة أصبح الأشخاص الذين دخلوا البلاد بشكل قانوني غير شرعيين، والتطبيق يُطالبهم الآن بالخروج. كما تم إنهاء برامج الإفراج المؤقت لمهاجرين من كوبا وهايتي ونيكاراجوا وفنزويلا. وسُحب وضع الحماية المؤقتة من مجموعات أخرى. بمنح الناس حق الدخول دون ضمانات أمنية، لم تُقدم سياسات الديمقراطيين، التي يُزعم أنها رحيمة، أي فائدة للمستفيدين. وكان ترويج الحزب لسياسات «مدن الملاذ» أسوأ من ذلك: لقد أغرى المهاجرين بكسر القانون من خلال طمأنتهم بالحماية من العواقب، وهي حماية، كما اتضح، لا تستطيع تلك المدن توفيرها. وفي ردها على نشر الحرس الوطني في لوس أنجلوس من قبل الحكومة الفيدرالية، قالت العمدة كارين باس: «تواصلتُ هذا الصباح مع قادة حقوق المهاجرين وكذلك مسؤولي إنفاذ القانون المحليين. ستظل لوس أنجلوس دائماً تقف مع كل من يتخذ مدينتَنا موطناً له». هذا صحيح، لأن حزبها قد محا تقريباً مفهومَ الهجرة غير الشرعية. في غضون ذلك، يعارض السياسيون الديمقراطيون هذا الانتشار الفيدرالي بحجة أنه «غير قانوني»، إذ أن القانون، كما يصرون، هو القانون.
وبالمناسبة، فإن نهج «لا تقل مهاجراً غير شرعي» يبدو نهجاً خاسراً، فالمهاجرون الذين اتبعوا القوانين سيكونون من بين مَن يعترض. والأسوأ من ذلك، عندما يبدو السياسيون الديمقراطيون غير راغبين في الاعتراف بأن بعض المهاجرين (بغض النظر عن وضعهم القانوني) ينتمون إلى عصابات إجرامية أو يرتكبون جرائم خطيرة. إن ملاحقة هؤلاء بحزم أمر يصفق له غالبية المهاجرين، تماماً مثل المواطنين الأميركيين. تصوير أعمال الشغب والتخريب، التي تتضرر منها مجتمعات المهاجرين أولاً، على أنها «احتجاجات سلمية في معظمها»، فعل آخر من أفعال الإضرار السياسي بالنفس. والرئيس يفهم هذا وربما يستفيد منه.
ومع ذلك، فالحملة الحكومية قاسية. فلو كان بإمكان الرئيس أن يطرد، بلمح البصر، كل مهاجر غير قانوني من البلاد، لما فعل ذلك، لأنه سيقلب الاقتصاد رأساً على عقب. إن المواقف المعلنة من كلا الطرفين، بما في ذلك التذرع الدائم بما «يتطلبه القانون»، ليست سوى غطاء للتوافق السائد على ضرورة الحفاظ على الخلاف الشرس في هذه الأمة التي تحكمها القوانين، وهذا هو الأهم.ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
كلايف كروك*
*كاتب أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية


