برزت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال العقود الأخيرة كنموذج رائد في تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، عبر نهج شامل يجمع بين الإرادة السياسية، والعمل المؤسسي، والشراكة المجتمعية. ولم تقتصر الجهود على سنّ التشريعات، بل شملت تمكيناً فعلياً للمرأة في مختلف القطاعات، من الحكومة والقضاء إلى الاقتصاد والدبلوماسية.
هذا التكامل عزز مكانة الدولة في المؤشرات العالمية، لتتبوأ مواقع متقدمة في تقارير التمكين والمساواة، وأكد نضج التجربة الإماراتية كأنموذج إقليمي ودولي في تعزيز دور المرأة كشريك أساسي في التنمية.
وفي إطار حرصها الدائم على تمكين المرأة في مختلف المجالات، أطلقت دولة الإمارات عدداً من المبادرات والسياسات الداعمة للمرأة في المجالات كافة، بدءاً من التعليم والعمل ووصولاً إلى المناصب القيادية والقضائية والدبلوماسية. ومن أبرز هذه الإنجازات، تخصيص 50% من مقاعد المجلس الوطني الاتحادي للمرأة منذ عام 2019.
وقد واكب هذا التقدُّم إنشاء مؤسسات معنية بحقوق المرأة، مثل: الاتحاد النسائي العام ومجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين، إضافة إلى الشراكات مع منظمات دولية، مثل: هيئة الأمم المتحدة للمرأة.تعزيزاً لهذا التوجه الاستراتيجي، وبرعاية كريمة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية «أم الإمارات»، ينفذ الاتحاد النسائي العام المرحلة الأولى من البرنامج الوطني لتأهيل الكوادر الوطنية في مجال حقوق المرأة والفتيات، بالتعاون مع اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان والمكتب الإقليمي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان للأمم المتحدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يستهدف بناء قدرات الجهات المجتمعية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بحقوق المرأة والفتيات في دولة الإمارات.
ويُعد هذا البرنامج امتداداً طبيعياً لجهود الدولة في تطوير بنية تحتية معرفية ومؤسسية تدعم قضايا المرأة من منظور حقوقي وقانوني، وتتجاوز الأطر التقليدية التي تركز على التمكين الاقتصادي أو الاجتماعي فقط. كما أنه برنامج يستند إلى بناء الكفاءات المتخصصة القادرة على التأثير في السياسات العامة، وإحداث تغييرات هيكلية مستدامة. ويأتي هذا البرنامج كمبادرة رائدة تعكس رؤية الدولة في تعزيز منظومة حقوق الإنسان، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف الخامس المعني بالمساواة بين الجنسين.
يركّز البرنامج الوطني لتأهيل الكوادر الوطنية في مجال حقوق المرأة والفتيات على تطوير قدرات العاملين والعاملات في الجهات الحكومية وغير الحكومية، من خلال مجموعة محاور متكاملة تعزز الكفاءة والفاعلية. ويشمل ذلك التأهيل القانوني والحقوقي عبر التدريب المعمق على الاتفاقيات الدولية، كاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وآليات حماية حقوق الإنسان ومواءمتها مع التشريعات الوطنية. كما يتناول التمكين المؤسساتي من خلال أدوات التخطيط الاستراتيجي المراعي للنوع الاجتماعي، وتنمية القيادة النسائية ومهارات صنع القرار، إضافة إلى التدريب على الرصد والتحليل الإحصائي لرصد التقدم وتحقيق الشفافية والمساءلة.
من منظور استشرافي، يُعد البرنامج الوطني لتأهيل الكوادر الوطنية في مجال حقوق المرأة والفتيات أداة استراتيجية لبناء «جيل حقوقي نسائي إماراتي» يتمتع بالمعرفة والمهارة والرؤية، وقادر على التفاعل مع التحديات المستقبلية المتعلقة بقضايا النوع الاجتماعي. ومن المتوقع أن يُحدث هذا البرنامج تحولات نوعية على المدى القريب والمتوسط، أبرزها تعزيز البيئة التشريعية عبر تأهيل كوادر قادرة على مراجعة القوانين وتطويرها بما ينسجم مع المعايير الدولية. كما يُسهم في رفع تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار من خلال تنمية مهارات القيادة والتأثير. وبالإضافة إلى ترسيخ الثقافة الحقوقية داخل المؤسسات والمجتمع، يعزز البرنامج حضور الدولة في المحافل الدولية عبر كوادر مؤهلة، تسهم في بناء شراكات حقوقية فاعلة وصياغة خطاب يعكس التجربة الإماراتية المتقدمة.
لا شك أن برنامج تأهيل الكوادر الوطنية في حقوق المرأة والفتيات يُعد محطة مفصلية في مسيرة دولة الإمارات نحو تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية؛ إذ لا يقتصر البرنامج على بناء مهارات الأفراد، بل يؤسس لمنظومة متكاملة تدمج بين الإرادة السياسية، والمعرفة المتخصصة، والشراكات المجتمعية؛ لتجعل من تمكين المرأة ركيزة جوهرية في التنمية الوطنية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


