تطلّب تنفيذ الضربة الأميركية الأخيرة ضد إيران حشداً هائلاً من الموارد. فقد طوّرت الولايات المتحدة وصنعت القنابل الخارقة للتحصينات، إضافة إلى قاذفات الشبح القادرة على نقلها إلى نصف الكرة الأرضية.

كما جمعت معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الضربات، واستطاعت تنسيق الضربات الجوية مع وابل من الصواريخ الدقيقة التي تُطلق من غواصات نووية ترابط في بحر العرب. لا عجب في أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على تنفيذ هذا النوع من الأهداف، إذ تنفق الحكومة الأميركية ما يقرب من عُشر ميزانيتها على الجيش. ويرى الرئيس دونالد ترامب ومستشاروه العسكريون أن ذلك يُبرر مطالبة الدول الـ32 الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير.

ويذهب البعض إلى أنه إذا أراد «الناتو» ردع تحركات روسيا المتزايدةُ جرأةً، فسيحتاج إلى أن يصبح أكثر قوة. ويبدو أن معظم أعضاء الناتو يرون أن تكلفة مطالب ترامب تستحق العناء، حتى لو كان لمجرد تفادي انسحاب واشنطن من الحلف، الأمر الذي قد يترك أوروبا بلا دفاع في المدى القريب، ويجبرها في النهاية على رفع إنفاقها الدفاعي على أي حال لتحقيق قدر من الردع في غياب الدعم الأميركي.

لكن هذا لا يُبرر بالضرورة الإنذار الأميركي الأخير، بأن يُنفق كل عضو في الناتو ما لا يقل عن 5% من ناتجه المحلي الإجمالي، أي دولار واحد من كل 20 دولاراً يُنتجها، على الجيش.

ويجب أن تخضع فكرة أن الإنفاق العسكري الهائل ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على الأمن العالمي، بغض النظر عن تكلفته البديلة، لمزيد من التمحيص. ولم يُخطئ رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيث، الذي تعرض للانتقاد لرفضه التوقيعَ على مطالب ترامب، في الدفاع عن شبكة الأمان الاجتماعي في بلاده، والتي ستتحمل العبءَ الأكبر من تكلفة الزيادة الحادة في الميزانية العسكرية.

وهناك حجة قوية تقول إن الحفاظ على الرعاية الاجتماعية يعزّز الاستقرار العالمي. لنأخذ الولايات المتحدة كمثال، حيث أدى غضب ملايين الناخبين الذين استُبعدوا من قصة النجاح الأميركية إلى وصول رئيس إلى السلطة عازم على قلب النظام العالمي، بعدما تجاهلت حكومة غير مبالية معاناتهم، مُركزةً على خفض الضرائب على الأثرياء. لقد قوّض ترامب شبكة التحالفات الأميركية، وأحرج حلفاءَه لدرجة التهديد بالاستيلاء على أراضيهم، كما فعل مع الدنمارك حيث طالبها بالتخلي عن جزيرة جرينلاند.

ومن المرجح أيضاً أن تُقوض تهديداته بفرض رسوم جمركية على الأصدقاء والأعداء، شبكةَ الترابط الاقتصادي المتبادل التي دعمت السلام العالمي لعقود. وقد أدى وقفُه تمويلَ المساعدات الخارجية إلى التضحية بأدوات أساسية استخدمتها الولايات المتحدة لتعزيز النظام العالمي.

وتُبرز نظرةٌ سريعة على قائمة أكبر المستفيدين، ومن بينهم أفغانستان وباكستان والعراق ومصر والأردن ونيجيريا وإثيوبيا، مدى أهمية المساعدات للأمن القومي. وكما يشير تقرير حديث صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فـ«لن تُغني أي انتصارات تكتيكية أو جهود عسكرية عن الاستقرار السياسي والاقتصادي في تلك البلدان».. فالمساعدات ضامن لهذا الاستقرار. إن الحجّة القائلة بأن القوة الغاشمة تصنع السلام أضعف مما يصوّرها ترامب.

فمنذ عام 2001، لم تسهم القوة العسكرية الساحقة للولايات المتحدة في بناء السلام العالمي، بل على العكس، إذ أدت إلى المزيد من الاضطراب. فقد دمّرت الولايات المتحدة أفغانستان، وصعقت بغداد ودمرتها، وفرضت تغيير النظام في ليبيا.. وأُلقي القبض على صدام حسين وتم إعدامه، وقُتل معمر القذافي.. إلا أن تلك الاستعراضات للقوة الأميركية مهّدت الطريق في الغالب لمزيد من موجات الفوضى.

ويجادل أنصار الحل العسكري بأن الطريقة الوحيدة لردع روسيا أو الصين أو أي منافس آخر هي ترهيبهم بالتفوق العسكري الهائل، لإقناعهم بأن أي فائدة محتملة جراء تحدي الولايات المتحدة وحلفائها ستتضاءل أمام التكاليف الباهظة التي سيتكبدونها. لكن هذه النظرة التبسيطية للردع تُشجع سباقات التسلح. إنها تُرسخ التوازنات العدائية، وتُقسم العالَم بين أصدقاء وأعداء، وتعمي أعيننا عن استراتيجيات بديلة تعتمد على القوة الناعمة. ومن الواضح للعيان أن هذا التصور فشل في منع الخصوم من تكرار التحديات.

ولا تزال الولايات المتحدة تركّز أكثر من اللازم على خوض الحروب، وتولي اهتماماً ضئيلاً للمهمة الأكثر تعقيداً، أي تحقيق السلام الدائم. ربما تكون القنابل الخارقة للتحصينات قد نجحت أو فشلت في تدمير أجهزة الطرد المركزي الإيرانية.

وربما تكون إيران قد نجحت أو لم تنجح في حماية اليورانيوم المخصّب من الضربة.. لكن المؤكد هو أن هذا الاستعراض العسكري الأميركي المبهر لم يُنتج سلاماً في الشرق الأوسط. وتُنفق دول الاتحاد الأوروبي ما يُقارب ثلاثة أضعاف ما تُنفقه روسيا على جيشها، بينما تُنفق الولايات المتحدة ثلاثة أضعاف ما تُنفقه الدول الأوروبية. ولم يُفلح هذا الإنفاق المُفرط في منع روسيا من ضم جزء من جورجيا عام 2008، ثم ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم التوغل في بقية أوكرانيا.

إدواردو بورتر*

*كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»