التركيز على الاقتصاد يغطي على القسوة الإنسانية التي تُعد الجانب الأكثر إشكالية في هذا التشريع. في الأسبوع الماضي، حذّرت أنا ووزير الخزانة الأسبق «روبرت روبين» من المخاطر الاقتصادية الكلية العديدة التي يخلقها مشروع قانون السياسة الداخلية الذي وقّعه الرئيس ترامب يوم الجمعة قبل الماضي. ومازلت متمسكاً برأينا بأنه من المرجّح أن يؤدي إلى تباطؤ النمو، ومخاطر حدوث أزمة مالية، وتفاقم العجز التجاري، وتقويض الأمن القومي من خلال استنزاف قدرة الحكومة على الاقتراض. وهذا وحده سبب كافٍ للندم على تمرير هذا القانون.
لكنني أعود إلى هذا الموضوع بعد محادثات مع مختصين في الرعاية الصحية، من بينهم ابنتاي اللتان تعملان في الطب والعمل الاجتماعي في ريف ولاية نيوهامبشر. هؤلاء المختصون جعلوني أدرك أن التركيز على الاقتصاد الكلي يغفل جانباً إنسانياً بالغ القسوة، والذي أراه الآن أكثر الجوانب إشكالية في هذا التشريع. لا أذكر أنني شعرت في أي عيد استقلال مضى بهذا القدر من الحزن من إجراء اتخذته بلادي.
في عطلة نهاية الأسبوع، بينما كان الرئيس يحتفل بتخفيضات ضريبية ستمنح في غضون عشر سنوات، كان العاملون في المجال الطبي يفكرون في أسئلة مثل:
· ما الذي يجب أن يقولوه للمرضى ذوي الإعاقات الشديدة، الذين لا يمكنهم العيش في منازلهم إلا لأن برنامج «ميديكيد» يغطي تكاليف تنقلاتهم إلى المواعيد الطبية، عندما يفقد هؤلاء التغطية؟
· بماذا ينصحون أقارب المرضى الفقراء الذين يرعونهم في منازلهم، والذين لن يتمكنوا من مواصلة العمل عندما تتوقف أجور مساعدي الرعاية الصحية المنزلية؟
· كيف يُفترض بهم أن ينصحوا المستشفى بشأن المرضى الذين لا يستطيعون تحمّل تكاليف إعادة التأهيل أو مرافق التمريض، ولا يمكنهم البقاء في منازلهم، ومع ذلك يحتلون أسرّة يحتاج إليها مرضى في حالات حرجة؟
· هل ينبغي لهم أن يشعروا بالفخر والالتزام بعمل يهدف إلى مواساة الفقراء والمسنين والوحيدين، بينما قادة بلدهم قرروا أن المزيد من المال للأكثر ثراءً هو أولوية أعلى؟
· كيف يمكنهم مواجهة مرضى سيتم طردهم من المستشفى وربما يحصلون فقط على قسيمة لركوب سيارة أجرة عند انتهاء إقامتهم؟
بعد مناقشة هذه الأسئلة، بدأت أتأمل في سوابق في التاريخ الأميركي -لحظات أخرى تم فيها تقليص شبكة الأمان الاجتماعي- لأرى ما الذي حدث بعدها. هل تحققت المخاوف حينها؟ هل تم تصحيح الأخطاء؟
رغم نظرتي السلبية إلى هذا القانون وهذه اللحظة، فوجئت سلباً بما اكتشفته.
هذه الجولة من التخفيضات في ميزانية «ميديكيد» تتجاوز بكثير أي تقليص سابق في شبكة الأمان الاجتماعي الأميركية. فالتخفيض البالغ حوالي تريليون دولار على مدى عشر سنوات يُمثّل نحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي. في السابق، كانت أكثر التخفيضات قسوة قد حدثت في عهد الرئيس رونالد ريجان بموجب قانون الضرائب لعام 1981، لكنها كانت أصغر بكثير - 12 مليار دولار على مدى عشر سنوات، أو 0.03% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن قانون ترامب، سيُخرج أكثر من 11 مليون شخص من قوائم التغطية، مقارنة بحوالي ثلاثة ملايين فقط في عهد ريجان. أما التخفيضات الأخرى، مثل إصلاح الرعاية الاجتماعية في عهد كلينتون، فكانت أصغر حجماً.
نظراً لأن «ميديكيد» هو برنامج يُدار على مستوى الولايات، ويختلف كثيراً بين ولاية لأخرى، يمكن للاقتصاديين تقييم تأثير السياسات البديلة. وتشير عدة دراسات إلى أن إزالة مليون شخص من التغطية الصحية لمدة عام قد يؤدي إلى نحو 1000 حالة وفاة إضافية. ومن ثم فإن إزالة أكثر من 11 مليون شخص لمدة عشر سنوات قد تُفضي إلى أكثر من 100000 وفاة. وبما أن هذا الرقم لا يأخذ في الحسبان تدهور جودة الخدمات للمؤهلين الذين سيبقون ضمن البرنامج - من قبيل تقليل عدد رحلات النقل إلى المستشفى أو ضعف الدعم الاجتماعي - فإنه على الأرجح أقل من الواقع.
تزعم الإدارة أن سياساتها، مثل فرض متطلبات العمل للحصول على خدمات «ميديكيد»، لا تؤثر إلا على الأصحاء القادرين على العمل. وأنا شخصياً دعّمت من قبل فكرة متطلبات العمل في برامج المساعدات النقدية، بناءً على فكرة العدالة والمنطق السليم. لكن دراسة دقيقة لتجربة نفذتها ولاية أركنساس تؤكد ما يقوله المنطق أيضاً - إن فرض متطلبات العمل على من يحتاج إلى التأمين الصحي لا يزيد من فرص العمل، بل يمنع الحصول على الرعاية الضرورية.
إن قسوة هذه التخفيضات لا تُضاهى إلا بخطأ إطلاقها. سيخسر المستفيدون من برنامج «ميديكيد»، وكذلك نحن. فتكاليف الرعاية التي لن يغطيها برنامج «ميديكيد» ستتحملها المستشفيات، وستُمرر بدورها إلى المرضى القادرين على الدفع، ولكن بتكاليف أعلى، لأن العلاج المتأخر يكون أكثر تكلفة. وعندما تُغلق المستشفيات الريفية، يخسر الجميع في المناطق المحيطة. مستشفيات مثل تلك التي تعمل فيها ابنتاي لم تعد قادرة على استقبال حالات الطوارئ المنقولة جواً، لأن الأسرّة مشغولة بمرضى مصابين بأمراض مزمنة ولا يجدون مكاناً يلجأون إليه.
ونظراً لغريزة البقاء السياسي لدى أعضاء الكونجرس، فإن تخفيضات برنامج «ميديكيد» قد تم ترحيلها إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي لعام 2026. وربما يكون لهذا التلاعب جانب إيجابي: فكلما أدرك الناس ما هو قادم، زادت الفرصة لتغيير هذه السياسات قبل وقوع أضرار جسيمة. ومبدأ «ترامب دائما يتراجع» - هو مبدأٌ ينبغي تطبيقه خارج نطاق الأسواق المالية.
*الرئيس السابق لجامعة هارفارد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


