تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة ترسيخ نهجها القائم على الاستدامة في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن أبرزها تنظيم سوق العمل، لا سيما قطاع العمالة المساعدة، ففي النصف الأول من العام الجاري 2025، أعلنت وزارة الموارد البشرية والتوطين عن مخالفة 40 مكتباً لاستقدام العمالة المساعدة، بعد رصد نحو 140 مخالفة صريحة لأحكام القانون واللائحة التنفيذية المنظمة لعمل هذا القطاع.

وقد شملت هذه المخالفات عقوبات إدارية ومالية، أكدت من خلالها الوزارة جديتها التامة في تطبيق القانون وصيانة حقوق الأطراف كافة. وتتركّز غالبية المخالفات المُرتكبة في عدم التزام المكاتب المذكورة برد مبالغ الاستقدام جزئياً أو كلياً لأصحاب العمل خلال المدة القانونية المحددة، وهي أسبوعان من تاريخ إعادة العامل المساعد أو التبليغ عن انقطاعه عن العمل.

كما برزت مخالفات تتعلق بعدم عرض أسعار باقات الخدمات المعتمدة في أماكن واضحة، بما يخل بمبدأ الشفافية المفترض في علاقة تعاقدية بهذه الأهمية. وفي الواقع، فإن هذه التجاوزات، وإن بدت في ظاهرها إدارية، إلا أنها تحمل في طياتها أبعاداً تمس ثقة المتعاملين في النظام الخدمي.

وتجدر الإشارة إلى أن دور وزارة الموارد البشرية والتوطين في هذا الملف الحيوي، لا يقتصر بطبيعة الحال على المخالفات وفرض العقوبات، إذ تتجلّى فيه الرؤية الأوسع في فلسفة الرقابة والتنظيم التي تنتهجها دولة الإمارات لتنظيم سوق العمل وتعزيز تنافسيته، وتتفاعل الوزارة مع الشكاوى المقدمة إليها من خلال منظومة متقدمة تجمع بين التفتيش الميداني والمراقبة الرقمية، وهذه المنظومة التي تتسم بالذكاء والصرامة في الوقت نفسه، تجسد التطور النوعي المتواصل الحاصل في إدارة سوق العمل، وتؤكد أن الإصلاح هو سياسة ممنهجة وراسخة.

وفي الواقع، فإن ما يجعل الجهود الدؤوبة التي تبذلها وزارة الموارد البشرية والتوطين لتنظيم قطاع العمالة المساعدة أكثر عمقاً هو ما تحمله من رسالة واضحة مفادها أنه لا تهاون مع أي جهة تسعى إلى التلاعب أو الإضرار بسُمعة الدولة ومصالح الأفراد.

وقد جاءت العقوبات المفروضة بحق المكاتب المخالفة لتؤكد هذا المعنى، حيث لم تكتفِ الوزارة بالإجراءات المالية، بل شددت على إمكانية إلغاء الترخيص كخطوة نهائية لكل مكتب لا يحترم ضوابط السوق وأخلاقياته، مجددة دعوتها أفراد المجتمع إلى التبليغ عن التجاوزات عبر قنوات رقمية مرنة وفعّالة، ما يعزز من مفهوم الشراكة المجتمعية. والحاصل أن ما تشهده دولة الإمارات اليوم من إنجازات متتالية في تنظيم سوق العمالة المساعدة هو ثمرة رؤية شاملة طويلة الأمد تضمنت إطلاق جملة من المبادرات النوعية، منها تحديث التشريعات، وإطلاق منصات ذكية، وتطبيق ميثاق أخلاقي مُلزم لمكاتب الاستقدام، إلى جانب تنفيذ حملات توعية مكثفة ومتابعة ميدانية متواصلة.

ومن أبرز النماذج الناجحة في هذا السياق، مراكز «تدبير» و«تسهيل»، التي تقدم خدمات استقدام العمالة بكفاءة وشفافية عالية، وتعمل تحت إشراف مباشر من الوزارة لضمان الجودة والامتثال. لقد فرضت مراحل تطور سوق العمل تحديات مستمرة، دفعت الجهات المعنية إلى الجمع بين المرونة والحزم، وهو نهج يُجسد نظرة استباقية متقدمة، تعمل وزارة الموارد البشرية والتوطين من خلالها على حفظ التوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية، ولا بد من التأكيد في هذا الصدد على أن حماية حقوق العامل وصاحب العمل ليست خياراً كمالياً، بل ضرورة لضمان العدالة واستقرار السوق، كما تسعى الوزارة من خلال جهودها إلى محاصرة الممارسات غير القانونية والحد من تدخل الوسطاء غير المرخصين، ما يخلق بيئة عمل أكثر أماناً وتنظيماً. إن تجربة دولة الإمارات في تنظيم سوق العمالة المساعدة تقدم نموذجاً متفرداً، يثبت أن الإصلاح الحقيقي لا يتم عبر قرارات فردية، بل من خلال بناء منظومة متكاملة قوامها التشريع، والتكنولوجيا، والرقابة، والتوعية.

وقد جعل هذا النموذج من الإمارات بيئة عمل محفزة وآمنة، ووجهة إقليمية للعمالة تحترم الحقوق وتُعلي من شأن القوانين. وبينما تمضي وزارة الموارد البشرية والتوطين في تنفيذ استراتيجيتها، تتأكد معالم رؤية أوسع تؤمن بأن العدالة في سوق العمل هي ركيزة أساسية لبناء مجتمع متوازن واقتصاد قادر على النمو المستدام.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.