يعيش الفكر المعاصر، في ظل التحوّلات العلمية المتسارعة، حالةً من الانشغال العميق بسؤال المصير الإنساني أمام التقدّم البيوتكنولوجي الذي تجاوز مجرد تحسين ظروف العيش إلى إعادة النظر في ماهية الإنسان ذاته. هذا التحوّل يطرح تحدياً فلسفياً غير مسبوق: هل يمكننا أن نواصل التحدثَ عن إنسانية واحدة جامعة في ظل قدرة الإنسان على إعادة تشكيل جسده وعقله ومشاعره وهويته الوراثية؟ وهل يحق للعلم، تحت دعوى التقدّم، أن يُعيد صياغة الطبيعة البشرية وفق ما تقتضيه مصالح السوق أو نزوات القوة؟في هذا السياق، تندرج أطروحة فرانسيس فوكوياما التي طرحها في كتابه «نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية»، حيث ينبّه إلى المخاطر العميقة التي تُحدق بمفهوم الإنسان في زمن صار فيه التدخّل في الجينات والدماغ والأعصاب أمراً واقعياً لا خيالاً علمياً. يحذّر فوكوياما من أن الخطورة الكبرى لا تكمن في فشل هذه التكنولوجيا، بل في نجاحها التام، لأنها ستفضي إلى خلق إنسانٍ جديد يختلف بيولوجياً عن سابقه، بما يؤسس لعالم من الفوارق الطبيعية الجديدة بين البشر، ويقضي على فكرة المساواة التي بُنيت عليها الحداثة الغربية.
ويرى فوكوياما أن الطبيعة البشرية ليست مجرّد معطى بيولوجي قابل للتطوير، بل هي الإطار الأخلاقي والقانوني والسياسي الذي قامت عليه فكرة الحقوق والعدالة. فإذا سُمح بإعادة تشكيل الإنسان عبر التكنولوجيا، فإن المجتمع سيفقد مرجعيته الأخلاقية في الحكم على الأفعال والقيم، لأن الحدود الطبيعية التي ساوت بين البشر لن تعود موجودةً. سيظهر نوع من «الإنسان المُحسَّن» في مقابل إنسان قديم، مما سيفتح البابَ لصراعات جديدة حول التمييز والهيمنة لا تقل خطورة عن صراعات الأعراق أو الطبقات.
في القسم الأهم من أطروحته، يعتبر فوكوياما أن التلاعب بالطبيعة البشرية يهدد الديمقراطية الليبرالية ذاتها، لأنها قامت على مسلّمة أن البشر متساوون طبيعياً، وبالتالي يستحقون المساواة في الحقوق. ومع انهيار هذه المسلّمة، سينهار معها العقد الاجتماعي، وستصبح القوانين عاجزةً عن ضبط العلاقات بين بشر يختلفون في أصل خلقتهم لا في مكتسباتهم فقط.
 غير أن هذا التصور، رغم وجاهته في إبراز المخاطر الحقيقية، يبقى حبيساً في أفق الفكر الليبرالي الغربي الذي يربط كلَّ شيء بالديمقراطية والحقوق، دون أن يتساءل عن عمق الإشكال الوجودي نفسه: ما معنى أن يكون الإنسان إنساناً؟ وما الجهة التي تمنحه هذه الهوية: الطبيعة أم العقل أم القانون أم الوحي؟ فوكوياما، مثل غيره من فلاسفة الغرب المعاصرين، يتجاهل أن أزمة الإنسان ليست وليدة البيوتكنولوجيا، بل وليدة تصوّر فلسفي قديم بدأ منذ عصر النهضة حين فُصل الإنسان عن مرجعيته الروحية، وحين تصوّر نفسه كائناً مكتفياً بذاته لا يحدّه إلا العلم.
إنّ ما يلفت الانتباهَ في نقد فوكوياما هو أنه يحذر من العواقب السياسية والاجتماعية، لكنه لا يعترف بجذر الأزمة الذي يعود إلى إنكار وجود حدود فطرية وضعها الخالق للإنسان، وليس الطبيعة وحدها. هذا الغياب للبعد الروحي يجعل نقده ناقصاً، لأنه يطلب من الإنسان أن يوقف مسيرةَ التقدّم دون أن يقدّم له مرجعيةً تتجاوز هواه أو طموحه في القوة والسيطرة.
من منظور الرؤية الإسلامية، تتضح حدود هذه الأطروحات حين نعود إلى المفهوم القرآني للإنسان باعتباره مخلوقاً مكرّماً بضعفه، محدوداً بزمنه، مستخلفاً في أرضٍ لا يملكها بل يعمُرها وفق سنن لا يملك تغييرها إلا في حدود الضرورة والمصلحة الشرعية. الإسلام لا ينظر إلى الجسد كأداة يمكن تشكيلها وفق الرغبة، بل كأمانة تُصان، وحدودها تُحترم، لأنه جزء من الفطرة التي تقتضي التوازن بين القدرة والغاية.
لذلك، فبينما يرى الفكر الغربي أن المشكلةَ هي في إفراط التقنية، ترى الرؤية الإسلامية أن المشكلة بدأت يوم قرر الإنسان أن ينزع عن نفسه وصفَ «المسؤولية أمام الله»، فاستبدلها بوهم السيادة المطلقة على الطبيعة وعلى جسده. لهذا، يصبح سؤال المصير الإنساني اليوم سؤالاً أخلاقياً وروحياً قبل أن يكون قانونياً أو سياسياً: هل للإنسان حق مطلق في تغيير خلق الله؟ وهل غايته أن يصنع ذاتَه من جديد، أم أن غايته أن يُحسن استخلافه في إطار الحكمة الإلهية؟
إنّ هذا التقدّم العلمي، حين يُفصل عن مقاصد الخلق، يتحوّل إلى أداة تدمير لا بناء. والإسلام، إذ يفتح البابَ للتقدّم، يُقيّده بميزان العدل والمصلحة والفطرة، حتى يظل الإنسان إنساناً لا مشروعاً مفتوحاً للعبث أو الهيمنة. ومن هنا، يكون الجواب الحقيقي على أطروحة فوكوياما ليس في قوانين تضبط التقدّم من خارجه، بل في وعيٍ يُعيد الإنسانَ إلى موقعه الصحيح بين الخلق: مخلوقٌ، لا خالق، مستخلفٌ، لا سيدٌ مطلق.

*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة