التنوّع والاختلاف يمثلان قوّةً وثراءً لشعوب الدول الوطنية الحديثة، وهما مصدر فخار وطني وتواصل اثني وديني يعبِّران عن عراقة الشعب ورسوخ الدولة وتعدد هويات المجتمع عبر مسار التاريخ الطويل.. وسوريا في منطقة الشرق الأوسط هي خير مثال على هذا التنوع الراسخ ومتعدد المستويات.
اثنيات سوريا العرقية متعددة، وأديان شعبها مختلفة، وفيها طوائف شتى كما أن فيها حواضر قديمةٌ قدم التاريخ وفيها «قبائل» و«عشائر» بدوية لا تقل أهميةً وتعدداً عن الحواضر المعروفة.. وموقف الدولة من هذا كله يحدد قيمةَ هذا الثراء وذلك التنوّع إذا فهمته سلطة الحكم وتبنّته ووضعتْ دستوراً يمثله وقوانين تحترمه وتحميه، وقواعد إدارية تضمن تمثيله في مؤسسات الدولة كافة. تاريخياً، كان بعض الحكام يختار استخدام الاختلافات بين الشعوب لضرب بعضها بعضاً، ولخلق فتن مستمرة بين مكونات الشعب، والأمثلة كثيرةٌ، لكنها كانت مراحل قصيرةٌ في التاريخ لأنها لا يمكن أن تستمر، ورسوخ الهويات القديمة لدى البشر أقوى من أي مراحل سياسية عابرة.
وللتذكير فقط، فسوريا وطنٌ متعدد الاثنيات العرقية بشكل كبير، ففيها العرب والأكراد، وفيها الأرمن والسريان والآشوريون والتركمان والشركس والأزيديون، وفيها تعدد دينيٌ، بين مسلمين ومسيحيين، والمسلمون طوائف والمسيحيون كذلك، فالمسلمون فيهم سنةٌ وشيعةٌ وإسماعيليون وعلويون ودروز، والمسيحيون فيهم اليونان الأرثوذكس واليونان الكاثوليك والموارنة وجزء من السريان الكاثوليك، وفيها حواضر معروفةٌ تاريخياً مثل دمشق وحمص وحلب، كما فيها عشائر كبيرةٌ تنتمي للقبائل العربية الأصيلة.
هذه مجرد نماذج سريعةٌ لهذا التنوّع الكبير والضخم وما يمكن أن يمثله مِن ثراء لأي دولةٍ تحسن الاعترافَ به والتعامل معه بشكل دستوري وقانوني، بينما يمكن لعدم الاعتراف به وعدم التعامل الجليّ والواضح الذي لا لبس فيه أن يسبب مشكلات وإشكاليات غير قابلة للحلّ، ويمكن أن تدفع البعض للاستقواء بالخارج ضد المكونات الأخرى من الشعب السوري.
هل يمكن لهذا التنوع والاختلاف أن يشكلا خطراً على الدولة السورية؟ الجواب بكل بساطة هو: نعم، للأسف.. فالهويات الضاربة الجذور في التاريخ قد تتحوّل إلى «هويات قاتلة»، كما سماها أمين معلوف، وبدلاً من أن تكون مصدر ثراء تصبح مصدر تمزّق وتشرذم، وبعض الفصائل التي قامت على «أيديولوجيا أصولية» لا تعترف بهذا التنوع، بل تمقته وتسعى لتغييره بالقوة والسلاح والعنف، وهؤلاء يجب ألا يمثلوا الدولة السورية وإلا كانوا سبباً في سقوطها وتقسيمها وتشرذمها. والجدل مع هذه الفصائل سهلٌ، ويكفي معرفة أن بعض العرقيات والأديان كانت موجودةً على طول التاريخ الإسلامي، وعاشت في ظل دولة الخلافة الراشدة، ثم الدولة الأموية، ثم العباسية، ولم يعترض عليها أحدٌ من الصحابة الكرام ولا التابعين ولا تابعيهم، وبالتالي فما وَسِع الصحابةَ يَسع مَنْ بعدهم مِنْ المسلمين، وإصرار بعض الفصائل على «التعصب» و«التطرف» مخالفٌ ويجب ردعه والتعامل معه بحزم.«العلويون» في سوريا كانوا هدفاً لمواجهات عنيفة قبل بضعة أشهر، و«الدروز» كانوا هدفاً في الفترة القريبة الماضية، وتمت الاستعانة ببعض «العشائر» لمواجهة الدروز، ومؤخراً عُقِد مؤتمرٌ في الحسكة السورية يطالب بإقرار التنوّع، وكان تحت شعار «معاً من أجل تنوّع يعزز وحدتنا وشراكة تبني مستقبلنا»، وقد احتضنه المركز الثقافي بمدينة الحسكة، بمشاركة أكثر من 500 شخصية عربية وكردية وسريانية.
وأخيراً، فبمنطق التاريخ وقوة الجغرافيا، وبحكم العقلانية والواقعية، فإن التنوّع السوري الواسع هو معطى لا يمكن التغافل عنه أو تحييده، وكما يمثل فرصاً واعدةً، فإنه يمثل خطراً محدقاً، والفارق يكمن في تعامل الدولة السورية ودستورها وقوانينها.
*كاتب سعودي


