لا يتذكّر الجيل الحالي من سكان العالم كيف كان الموقف من التقنيات الجديدة في حينها وقد تبدّت للبشرية في الثلث الأخير من القرن العشرين. مواقف مرتبكة، تحذيرات أممية من تفسّخ القيم، نذُر تربوية وتعليمية من تأثير هذه الفتوحات التقنية على الأخلاق ومستوى تطوّر العقول.. إلخ. يعود في الوقت الحالي نفس السجال، وتقريباً بتوصيفاتٍ لغويةٍ متقاربة إلى حد كبير، وذلك مع صعود الحديث وتوسعه حول آثار الذكاء الاصطناعي على كافة المجالات الحياتية، العلمية والعملية.
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة («اليونيسكو») طرحت مجموعةً من الأوراق حول علاقة الذكاء الاصطناعي بالطالب، وانعكاسه الأشمل على التعليم. الأوراق قدمت جملةً من الطروحات المهمة يمكن الاستئناس بها، ولكن في الوقت ذاته ينبغي أن نكون حذرين من نشر الوساوس حول أي فتحٍ علمي جديد لم يألفه الناس من قبل، وذلك لسببين اثنين:
أولهما: أن البشرية تخترع صرعاتِها بالتقادم منذ الثورة الصناعية وحتى اليوم. لا يمكن إيقاف عجلة التطوّر العلمي والتقني بصخرة. العلم يتطوّر باستمرار، وهذا يدلّ على تفوّق العقل البشري وسيادة الإنسان في مجالات العلوم والكشوفات، حتى وإن سيطرت عليه جزئياً أو همّشت دورَه، لكن التقنية مهما تطوّرت تظلّ بحاجةٍ إلى الإنسان، ومعه تتكامل من أجل إنضاج ثمرة الكشف العلمي واستثماره لصالح مزيد من التطور العلمي والتقني.
وثانيهما: أن وظيفة الإنسان العقلانية مع أي نصرٍ علميّ مبين أن يفهمها أولاً، ومن ثمّ يتماهى معها ثانياً، وأخيراً أن يستوعبها لإتمام النقائص التي يمكن أن تسدّ التقنياتُ ثغراتِها، ولهذا نرى الآن كيف تشارك منتجات الذكاء الاصطناعي في الطبابة، والتعليم، والأمن.. وكلها مجالات أساسية تخدم يوميات الإنسان وتعينه على تجويد حياته وترويض ما يواجهه فيها من صعاب وتحديات.
والعجيب أن ثمة ارتباكاً فلسفياً في الموقف إزاء هذا المارد العجيب، وهذا ما اختصرتْه «أنيسة مخالدي» في عرضٍ مهم لها بعنوان «الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى الفلاسفة»، نُشر في صحيفة «الشرق الأوسط». تقول مخالدي: «في كتاب (الذكاء الاصطناعي، الذكاء البشري، اللغز المزدوج).. اعترف الفيلسوف وباحث الرياضيات الفرنسي دانيال أندلر، وهو أحد أقطاب البحث في هذا المجال، بأنه كان أول المُرحبين بالذكاء الاصطناعي قبل أن يغير رأيَه، وبالأخص جراء الإشكالية (الأخلاقية) وعدم التحكم التّام في (الوحش) الذي صنعناه».
لكن ما سبب خوف الفيلسوف أندلر؟! يجيب: «بخصوص (وعي الذكاء الاصطناعي) أي دليل نستطيع تقديمه لنبرهن على وجود (وعي) عند الآلة الذكية؟ ليس لدينا مفهوم واضح ومحدد للوعي». ثم يواصل شرحه: «إذا كانت هناك حكمة من قصّة بلاك لوموان، مهندس (غوغل) الذي طُرد من عمله بعد أن أقر بأن روبوت الدردشة (لمدا) يتمتع بوعي وإحساس، فهي أن الآلة الذكية تغير تصورَنا للعلاقة بين الإنسان والآلة».
والخلاصة من هذا، أن تصعيد النقاش القيمي مع بروز كل منجزٍ علمي جديد يبرز إلى العلن، لا ينمّ عن ثقةٍ بالمؤسسات التي ستبوّب هذا الحقلَ التقني وتدرجه في المجال العام. ومع ذلك نجد أن الدول التنموية القويّة أنشأت مؤسساتٍ خاصة بمجال الذكاء الاصطناعي بغيةَ الاستفادة منه وبهدف تجنّب أخطاره وتحدياته مبكراً. إن صهر الفتح التكنولوجي في كل المجالات وظيفة المؤسسة وليس مهمة المثقف، وهذا أساس القوّة.
*كاتب سعودي


