تبذل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جهوداً واضحةً لتطوير قطاع التعليم العالي في دولة الإمارات العربية المتحدة، تماشياً مع تطورات العصر ومع الرؤية المستقبلية لحكومة دولة الإمارات في هذا المجال. ولعل قرار حوكمة دراسة التعليم العالي للطلبة المواطنين خارج الدولة وإصدار التقويم الأكاديمي الموحد لمؤسسات التعليم العالي 2025 - 2026 أبرز نموذجين على تلك الجهود في الآونة الأخيرة. ومما لا ريب فيه أن قطاع التعليم العالي في الإمارات يشهد في العقود الأخيرة نهضةً وتطوراً ملحوظين، سواء على مستوى الكم أم على مستوى الكيف.

لكن يظل المجال الذي تدور حوله التساؤلات، في كل زمان ومكان، هو: ما مدى ارتباط برامج التعليم العالي الأكاديمية باحتياجات سوق العمل؟. مَن يتتبع تطورات قطاعات العمل، سواء الحكومية أم الخاصة، في دولة الإمارات، يلاحظ حجم النقلة الهائلة المتحققة في مجال الخدمات المقدمة، سواء للمجتمع المحلي أم للدول التي ترتبط باتفاقيات تجارية مع الدولة. وأساس ذلك كله هو تطورات الذكاء الاصطناعي الذي اعتمدت حكومة الإمارات مؤخراً تدريسَه في مراحل التعليم الحكومي كافة، بدءاً من العام الدراسي المقبل 2025 - 2026.

أضف إلى ذلك، اعتماد الحكومة منظومةَ الذكاء الاصطناعي الوطنية، كعضو استشاري في مجلس الوزراء والمجلس الوزاري للتنمية، ومجالس إدارات الهيئات الاتحادية والشركات الحكومية كافة، بدايةً من يناير 2026. والهدف من ذلك هو دعم صناعة القرار في هذه المجالس، وإجراء تحليلات فورية لقراراتها، وتقديم المشورة الفنية لها، ورفع كفاءة السياسات الحكومية التي تتبناها في القطاعات كافة.

إن سوق العمل في المرحلتين الحالية والقادمة يختلف جذرياً عما كان عليه وضعه خلال العقدين الأخيرين على الأقل، وذلك في جانب على قدر كبير من الأهمية، ألا وهو الوظائف. فالاحتياجات الوظيفية في سوق العمل في الدولة سوف تختلف بصورة كبيرة في شقين رئيسين، أولهما: الوظائف المستمرة، والتي ستتبنى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وثانيهما: الوظائف المستحدثة التي ستدخل سوق العمل، سواء كوظائف جديدة كلياً أو كوظائف تحل محل وظائف منتهية. والقاسم المشترك بين الشقين هو المهارات والقدرات المطلوبُ من خريج التعليم العالي امتلاكها ليتمكن من الفوز بالوظيفة المطلوبة. وهنا يتبادر للذهن التساؤل التالي: هل تقوم مؤسسات التعليم العالي بدورها المطلوب في مجال تصميم وطرح برامج أكاديمية تلبي احتياجات سوق العمل بناءً على التطورات التي يشهدها هذا السوق؟

الإجابة بلا شك هي: نعم، فهناك بعض الجامعات التي تقرأ بعين تحليلية فاحصة تطورات السوق واحتياجاته المستقبلية وتوجهات الحكومة في هذا المجال، وتقوم بتعديل مسارها الأكاديمي، لكن الحاجة ماسة لأن تتبنى كلُّ الجامعات ذاتَ المهمة.

وهنا يأتي دور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في نقطتين رئيستين: الأولى هي نشر الوعي بين المواطنين، خاصة طلبة الصفوف من الـ10 إلى الـ12، حول البرامج الأكاديمية المتوافرة في الجامعات المحلية والتي تلبي احتياجات سوق العمل في الدولة. والنقطة الثانية هي إصدار القرارات المناسبة لضمان توافر تلك البرامج الأكاديمية في كل، وليس بعض، مؤسسات التعليم العالي في الدولة. والمحصلة النهائية التي نطمح إليها هي تأسيس وتقوية العلاقة بين مؤسسات التعليم العالي وسوق العمل تحت مظلة الجهة الحكومية التشريعية، أي نجاح مثلث الحكومة والتعليم العالي وسوق العمل.

*باحث إماراتي