قد يكون من المبالغة وصف الأمر بأنه تغيير في موازين القوى في السياسة الدولية. ومع ذلك، فالتصنيف السنوي لمجلة «فوربس» لأقوى النساء في العالم يقدم دليلاً لافتاً على الصعود الاستثنائي، والتأثير الكبير، لأول زعيمة من اليمن المتشدد تتولى قيادةَ دولة في أوروبا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. إنها رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، التي جاءت في المرتبة الثالثة على القائمة الأخيرة لـ«فوربس»، متجاوزةً كامالا هاريس التي هُزمت في نوفمبر الماضي على يد دونالد ترامب، الذي يُصنَّف هو أيضاً في تيار اليمين ذاته. ومع ذلك، فالطريقة التي تميزت بها ميلوني عن ترامب، وعن حلفاء اليمين المتشدد القدامى في أوروبا، هي ما يمنح رئيسة الوزراء الإيطالية الحالية نفوذاً متزايداً في أروقة السلطة الغربية.
أصبحت ميلوني الآن شخصية رئيسية في أوروبا التي تواجه ثلاثة تحديات كبرى: إدارة ملف الهجرة، وضمان استمرار الدعم لأوكرانيا، وتجنب القطيعة الكاملة مع إدارة ترامب. قد تسير الأمور بشكل خاطئ على أي من هذه الجبهات، وقد تجد أوروبا صعوبة في الحفاظ على دعمها لكييف إذا خفف ترامب أو تخلى عن ضغوطه الأخيرة على روسيا لإنهاء حربها في أوكرانيا. لكن ميلوني تضع نفسَها في موقع مختلف عن زعماء اليمين المتشدد داخل الاتحاد الأوروبي المكوَّن من 27 دولة، إذ تفضّل البراجماتية على النزعة المناهضة للاتحاد الأوروبي، وتبني تحالفاتٍ مع قادة أكثر اعتدالاً على أمل الحصول على موقع مؤثر في رسم السياسات طويلة الأمد للاتحاد. وقد ساعدها في ذلك أنها، على عكس باقي قادة أحزاب اليمين المتشدد الصاعدة في أوروبا، أدانت الحربَ الروسية في أوكرانيا منذ اللحظة الأولى في فبراير 2022، أي قبل ثمانية أشهر من توليها منصبَها. هذا الموقف منحها دوراً محورياً في الحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي بشأن أوكرانيا، خاصةً في إقناع الدول أعضاء ذات الحكومات اليمينية المتشددة بالتخلي عن تهديدها باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد حزمة مساعدات بقيمة 60 مليار دولار العام الماضي. كما استفادت بذكاء من علاقاتها مع ترامب، إذ كانت الزعيمة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي دُعيت لحفل تنصيبه. لكنها لم تتصرف كداعمة مطلقة أو تابعة له، كما فعل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، بل وضعت نفسَها كحلقة وصل مع واشنطن في ملفات مثل حرب أوكرانيا ومطالب ترامب بشأن الرسوم الجمركية.
ورغم أن حزبها «إخوة إيطاليا» فاز في الانتخابات الأخيرة بفضل معارضته القيودَ الماليةَ الصارمةَ التي يفرضها الاتحاد الأوروبي كشرط للحصول على أمواله، فقد أبقت على هذه السياسات إلى حد كبير. وكان ذلك إنجازاً سياسياً ملحوظاً لزعيمة حزب يتهمه خصومه بإبداء مواقف إيجابية حيال الحقبة الفاشية من تاريخ إيطاليا.
وقد أصبحت ميلوني تحظى بالترحيب من الساسة الأوروبيين الرئيسيين، من شخصيات يمين الوسط مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وأورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، إلى قادة يسار الوسط مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. وفي ظل القلق من مكاسب اليمين المتطرف في صناديق الاقتراع، انضم هؤلاء إلى ميلوني في الترويج لنهج أكثر صرامة على مستوى الاتحاد لمواجهة تدفق المهاجرين الفارين من الحروب أو الفقر أو آثار تغير المناخ.لكن منتقدي ميلوني ومنافسيها في إيطاليا يحذرون من أنها لم تتخلَّ تماماً عن المواقف التي جعلتها نجمةً بارزة في أوساط اليمين المتشدد عالمياً عندما كان حزبها في المعارضة، مشيرين إلى أنها اتخذت مؤخراً خطوات لفرض قيود جديدة على الاحتجاجات العامة، ولديها خطط لمنح الإيطاليين حق انتخاب رئيس الوزراء مباشرةً. ومع ذلك، لم تُحاول ميلوني حتى الآن اتباعَ نهجٍ يُضاهي «الديمقراطية غير الليبرالية» التي انتهجتها دول في شرق أوروبا، والتي قوّضت استقلال القضاء والإعلام، بل غيرت نبرتها بشكل واضح وتخلت عن العديد من الشعارات السابقة.
وبالعمل ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، لم تعزز فقط موقعَها في أوروبا، بل إن نهجها الجديد، الذي يُتيح فرصةً نادرةً للاستقرار الحكومي في بلدٍ لم تدم فيه حكومةٌ منذ الحرب العالمية الثانية أكثر مِن عام واحد في المتوسط، كان من شأنه أن عزز الدعمَ لحزبها في الداخل.
ورغم تململ بعض شركائها في الائتلاف الحاكم، فإن استطلاعات الرأي تمنح حزبَ «إخوة إيطاليا» تقدماً مريحاً على منافسيه، حيث يتمتع حالياً بنسبة تأييد تبلغ 30%، بزيادة عن نسبة 26% التي حصل عليها في انتخابات 2022. والسؤال الآن، في أوروبا وخارجها، إذا استمرت ميلوني على هذا النهج، هو ما إذا كانت ستصبح نموذجاً يحتذى به لزعماء اليمين الشعبوي الآخرين؟ وأبرز مَن تجب مراقبته في هذا السياق هي مارين لوبان، التي تحاول منذ سنوات إعادة التموضع على طريقة ميلوني، ولا تزال تأمل في الترشح والفوز برئاسة فرنسا بعد عامين.
*صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


