لطالما كان مرور السفن بحُرية عبر الممرات المائية الاستراتيجية في العالم شرطاً أساسياً للازدهار العالمي. وقلّما توجد ممرات مائية أكثر أهمية من مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية يومياً. وأي اضطراب مستمر فيه من شأنه إحداث صدمات في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والاقتصادات الوطنية. لذا، فإن استقرار هذا الممر الضيق ليس مجرد شأن إقليمي، بل مسألة أمن اقتصادي عالمي.
يقدم التاريخ مثالاً صارخاً على كيف يمكن لإغلاق مثل هذا الممر أن يُغير ليس فقط مسار صراع إقليمي، بل مصير القوى العظمى. ففي أوائل خريف عام 1914، دخلت الإمبراطوريةُ العثمانية الحربَ العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا-المجر. وكان من أوائل قراراتها إغلاق مضيق الدردنيل أمام الملاحة الروسية. وقد ترتبت على هذا القرار عواقب وخيمة، إذ كانت روسيا تعتمد بشكل كبير على الملاحة البحرية عبر البحر الأسود والبحر المتوسط لتصدير الحبوب التي كانت أحد مصادر دخلها الرئيسية ومورداً أساسياً للأسواق الدولية.
ومع إغلاق المضايق، انهارت الصادرات الروسية، وتضاءلت عائداتُ العملات الأجنبية، وتفاقم النقص في السلع المحلية. وسرعان ما أدركت بريطانيا وفرنسا خطورة الوضع. ودعا «ونستون تشرشل»، الذي كان آنذاك وزيراً للبحرية، إلى خطة جريئة للسيطرة على مضيق الدردنيل، وهزيمة الدفاعات العثمانية، وإعادة فتح الطريق البحري إلى روسيا. وأسفرت هذه الخطة عن حملة غاليبولي عام 1915، التي أصبحت واحدة من أكثر العمليات كُلفةً للحلفاء خلال الحرب. وبعد أشهر من القتال الضاري والخسائر الفادحة، انسحبت قوات الحلفاء دون تحقيق هدفها. وظل المضيق مغلقاً، واستمر الاقتصاد الروسي في التدهور، وازداد الضغط على النظام القيصري.
لم تكن المصاعب الاقتصادية وحدها سبباً في اندلاع الثورة الروسية عام 1917، لكنها ساهمت فيها بشكل كبير. فقد أدى نقص الغذاء والتضخم والإرهاق العسكري إلى تآكل ثقة الشعب وقدرة الدولة الروسية. وأدى انهيار سلالة رومانوف، واستيلاء البلاشفة على السلطة لاحقاً، إلى إخراج روسيا من الحرب، مما سمح لألمانيا بتركيز قواتها في أماكن أخرى. وقد ساهم إغلاق المضيق في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي لأوروبا.
واليوم، يواجه العالم سيناريو مماثلاً في حساسيته. فقد دفع قرارُ إيران بإغلاق مضيق هرمز، أو على الأصح التهديد بإغلاقه، الولاياتِ المتحدةَ إلى التفكير في اتخاذ تدابير عسكرية كبيرة لتأمين الممر المائي. وبينما قد تنطوي العمليات الجوية أو البحرية المحدودة على مخاطر فورية، فإن حملةً أوسع تشمل القوة البحرية والبرية والجوية ستمثل تصعيداً إضافياً.
ويكمُن الغموض الرئيسي في مسألة الصمود. فإلى متى يمكن لإيران أن تصمد أمام الضغط المستمر من قوات متفوقة تكنولوجياً؟ وإلى متى يمكن للإدارة الأميركية أن تحافظ على الدعم الشعبي إذا ما طال أمد الصراع؟ ترى طهران أن السيطرة على المضيق تمثّل أهم أصولها الاستراتيجية في مواجهة غير متكافئة. ومن خلال تهديد إمدادات الطاقة العالمية، تستطيع إيران بسطَ نفوذها إلى ما هو أبعد من منطقتها المباشرة.
إذا ما أُجريت مفاوضات في نهاية المطاف، فمن المرجح أن تسعى إيران إلى الحصول على ضمانات بشأن نقطتين أساسيتين: الأولى هي بقاء النظام، حيث لاحظ القادة الإيرانيون مصير الحكومات التي تخلّت عن نفوذها الاستراتيجي لتواجه ضغوطاً خارجية مستمرة.. أما النقطة الثانية، وربما غير المُعلنة، فقد تتعلق بالحفاظ على القدرات العسكرية أو تطويرها، والتي باتت إيران تعتبرها الآن ضرورية لأمنها القومي.
لا يُعيد التاريخ نفسَه حرفياً، ولكنه غالباً ما يُقدم منظوراً جديداً. فقد ساهم إغلاق مضيق الدردنيل في انهيار إمبراطورية، وغيّر مسار القرن العشرين. وبالمثل، فإن أي اضطراب مزمن في مضيق هرمز قد يُؤدي إلى عواقب وخيمة، كالتوترات الاقتصادية والسياسية، وتحولات في التحالفات العالمية. ويكمن التحدي أمام صانعي السياسات في ضمان حرية الملاحة، مع اتباع السبل الدبلوماسية التي تُقلل من خطر نشوب صراع أوسع، وتُعزز الاستقرار على المدى الطويل.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن


