في عالم يُدار اليوم بالموجات اللاسلكية والإشارات الرقمية، لم تعد السيطرة على الأرض أو البحر أو السماء كافيةً لحسم الحروب، ولقد دخلنا عصر «حرب الطيف الكهرومغناطيسي»، حيث أصبحت الإعاقة الراديوية (Radio Jamming) واحدة من أخطر أدوات الهيمنة العسكرية، وأهم أسلحة الحروب غير المتكافئة، بل وأحد المفاتيح القادرة على قلب موازين القوى الدولية دون الحاجة إلى قذيفة أو طلقة واحدة وإعادة كتابة مفاهيم الجاهزية العسكرية المرنة والذكية. تقوم الإعاقة الراديوية على مبدأ بسيط وخطير في الوقت ذاته: منع أو تشويش الاتصالات اللاسلكية أو الملاحة أو الرادارات من خلال إرسال موجات مشوشة على نفس التردد، لكن خلف هذا المبدأ البسيط تكمن تعقيدات هندسية، وتقنيات عالية، واستراتيجيات سيطرة غير مرئية في ساحة المعركة الحديثة.

الإعاقة الراديوية تحولت من تكتيك دفاعي ثانوي إلى سلاح استراتيجي يعيد كتابة مفاهيم السيطرة على «الفضاء الإلكتروني» في المعارك التي تسبق المواجهة المسلحة، أوالتي قد تلغيها تماماً، وبالتالي النظر إلى الإعاقة الراديوية ليس فقط كسلاح، بل كـ«بيئة قتالية» جديدة تستهدف نفسية الإنسان وجهازه العصبي قبل المرافق الحيوية. جوهر الخطر يكمن في تعطيل «الأعصاب الرقمية» للحرب، فأنظمة القيادة والسيطرة، وتوجيه الصواريخ الذكية، واتصالات الوحدات العسكرية، وحتى طائرات الاستطلاع المسيرة التي تمثل 88% من الترسانة العسكرية الحديثة، وفقاً لدراسات «مؤسسة راند الأميركية للأبحاث» تعتمد كلياً على الطيف الكهرومغناطيسي، وتشويش مستهدف بتردد دقيق يشلّ هذه الأنظمة خلال ثوانٍ معدودة، ويحوّل جيشاً متطوراً إلى كتلة عمياء وصماء، بل ويهاجم السفن والطائرات التجارية والعسكرية، والمنشآت والمرافق والخدمات والمنتجات الأهم. ففي أوكرانيا، نجحت أنظمة «كرياسوخا» الروسية في عزل الوحدات الأوكرانية عن قياداتها، وتعطيل هجمات الطائرات المسيرة، مما حول ساحات القتال إلى فوضى تكتيكية.

وما يرفع سقف التهديد هو «فعالية التكلفة» الصادمة، فبينما تكون تكلفة منظومة دفاع جوي متطورة مليارات الدولارات، يمكن لجهاز تشويش محمول لا يتجاوز ثمنه 5000 دولار شلها. هذا التفاوت الجذري يجعل الإعاقة الراديوية السلاح المثالي في الحروب غير المتكافئة، حيث تستخدمه المليشيات والجماعات المسلحة لمواجهة جيوش نظامية، كما أن صعوبة تتبع مصدر التشويش يتيح «إنكار المسؤولية»، وهو ما حولها إلى أداة محورية في الحروب الهجينة.

إذاً هو التطور الأكثر إثارةً للقلق، والذي يتلاعب بقدرات الدفاع الجوي للدول بصورة خفية، وتصل الطائرات المسيرة لأهدافها بكل يسر بينما الجيوش التقليدية تنتظر رصد الصاروخ الذي يخرج من دولة إلى دولة، حيث لم يعد الهدف مجرد قطع الاتصالات، بل حقن إشارات زائفة تضلل الأنظمة.

إن تقنيات «الخداع الإلكتروني» (Spoofing) اليوم تستهدف أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية «GPS» بغرض تحويل مسارات الصواريخ، أو تقليد إشارات القيادة لتوجيه الطائرات المسيرة نحو كمائن، بل وحتى اختراق شبكات الكهرباء الذكية، بينما التقنيات الدفاعية التقليدية مثل «القفز الترددي» أو «التشفير» أصبحت غير كافية أمام هجمات التشويش الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تتكيف تلقائياً مع دفاعات الخصم، وبالمقابل فالحلول الجذرية كالاتصالات الليزرية أو الكمومية لا تزال محدودة التطبيق.

وعلى المستوى الجيوستراتيجي تحولت السيطرة على الطيف إلى معركة وجود للدول. و«الناتو» الآن يعيد هيكلة عقيدته العسكرية ليجعل «الهيمنة الطيفية» شرطاً مسبقاً لأية عملية. الخطر لا يقتصر على الجيوش، فالمدن الذكية التي تعتمد على شبكات اتصال مترابطة قد تشلّها هجمات تشويش ممنهجة. تُخيل انهيار أنظمة النقل بسبب تعطيل الـGPS! أو توقف شبكات الكهرباء الذكية! أو انقطاع اتصالات الطوارئ! 

فالأمر يتطلب ثورة في التفكير الاستراتيجي وحوكمة التوجه الشامل لحماية الطيف الكهرومغناطيسي، كما أن العالم يحتاج إلى أطر دولية لتنظيم استخدام الطيف، خاصة في الفضاء قبل أن تتحول هذه الحرب الخفية إلى صراع مفتوح. وفي النهاية، الحروب القادمة لن يفوز فيها من يطلق الصواريخ أولاً، بل من يضمن أن عدوه لن يرى ولن يسمع صدى السلاح الذي استخدم ضده.

*كاتب وباحث إماراتي في التعايش السلمي وحوار الثقافات.