عبر التاريخ البشري لم تكن العلاقة الأوّلية بين الإنسان والآخر إلا مشوبة بريبةٍ أو خوف. وحده الصيد من أسّس لفِرَق متحالفةٍ بين الإنسان والإنسان بغية البقاء والانتصار على غامض المصائر وتفادي موارد المهالك.
الصيد هو جامع البشر على عقدٍ مشترك مبكّر، لاحقاً تحوّلت أحلاف الصيد إلى قبائل، كما يقول الفيلسوف برتراند راسل. وعليه فإن هذا التحالف سيخضع لمراحل من التطوّر والتمدن والتغيّر.
 بعد نشوء الدولة الحديثة، وصياغة القوانين، وثورة العلوم والتقنية والصناعة بات التواصل البشري أساسياً من أجل إنجاز المهمات والأعمال، أو لتحقيق الآمال والأحلام. تطوّر التواصل من الرسائل المكتوبة بخطّ اليد إلى الهاتف التقليدي وصولاً إلى ما نحن فيه اليوم من ثورة اتصالاتٍ كبرى.
حدث تطوّر كبير في العلاقات البشرية مع موجات التواصل، ولكن هل انتهت مشكلة «الريبة» التي هي برهةٌ بين الانقطاع والتواصل، وشرر نفسي سريع قبيل التواصل أو الرد؟! هذا يحتاج إلى مقاربةٍ سريعة.
كلّا لم تختفِ لحظة الريبة وإنما تحوّرت ضمن أساليب مختلفة. التواصل بالكتابة صار أكثر وأسرع، وربما يقلّل من الطاقة النفسية المبذولة لمن لا يهوى الحديث، ولكن التواصل برسائل الجوال قد يؤدي إلى كوارث.
 في التواصل الصوتي يمكنك أن تلتقط إشاراتٍ ضروريةٍ على أساسها تقدّر توقيت الموضوعات المراد طرحها، على عكس الرسائل المكتوبة.
 هذا عدا عن الاحتقان النفسي الذي تسببه الكتابات والرسائل مقارنةً بالتواصل الهاتفي المباشر. وربما فهم البعض التوقيت أو الأسلوب أو حتى «الإيموجي» بطريقةٍ مغلوطة. كل ذلك يعيدنا لقاعدةٍ طرحها الفيلسوف سينيكا.
يطرح الحكيم العتيد سينيكا قانونه التالي: «لا يقوم الحكيم بوضع تفسيرٍ خاطئ لكل شيءٍ منطقي». وسينيكا، أو لوكيوس أنّايوس سينيك، فيلسوف وكاتب مسرحى رومانى، من مواليد السنة الرابعة قبل الميلاد، من أهم أعماله «المسائل الطبيعية»، «في قصر الحياة)» وتخصّص في سجالات فن سياسة النفس بحيث يتحكم المرء في رغباته. 
 الكاتب والفيلسوف البريطاني «آلان دو بوتون» قدم شرحاً لبعض أفكار سينيكا، قائلاً: «لدى سينيكا تفسير لأخطاء الحكم هذه، إنه يترافق مع «ذلّ محدد في روح».. وعندما نشكّ أننا أهداف ملائمة لتلقّي الأذى لن يأخذ الأمر منّا الكثير كي نجزم أن شخصاً أو شيئاً ما ينوي أذيتنا». ثم يضرب أمثلةً: «لم يقابلني اليوم مع أنه قابل آخرين، نفر بعجرفةٍ أو سخر من كلامي، لم يعرض عليّ كرسياً محترماً بل وضعني عند طرف الطاولة.. بينما ثمة أسباب بريئة مثل لم يقابلني اليوم لأنه كان يفضّل اللقاء الأسبوع المقبل، لم يكن يسخر ولكنها مجرّد مزحة. لابدّ أن نسعى كي نحيط انطباعاتنا الأولى بحاجز حماية، وأن نرفض التصرّف تبعاً لنتائجها فوراً».
 سينيكا يصف الخوف من نقد الآخرين بـ«الألم الحاد النابع من انطباع بأن الآخرين يهزؤون بك سراً»، وهذا يعكس قلق الباحثين عن القول الحسن في كل الأوقات، ما يجعلهم يدخلون مرحلة تسمى «الذل الروحي». 
الخلاصة، أن قانون سينيكا يقدمّ أصالة التبرئة للآخر من الوضر النفسي الذي يخيّل لنا. قانونه يعبّر عن قوّة الذات لأن الوسوسة في مقاصد الآخرين تصنع الحروب النفسية التي نراها الآن. وتكثّفت الريبة المخترعة وتقلّصت مساحات البراءة الأصليّة النابعة من ذاتنا مهما يكن الآخر قابلاً للشكّ. وباستعمال قانون سينيكا ننجو من الشعور «بذلّ الروح» الذي حذّر منه.. إنه قانون محترم.
*كاتب سعودي