يمكن للمعلومات الجينية (الوراثية) أن تكون منقذة للحياة في حالات الطوارئ الطبية، إلا أنها نادراً ما تُجمع من البالغين -حتى عندما يكافح الأطباء لتشخيص الحالة. تُظهر أبحاث جديدة أن الأميركيين بحاجة إلى تسهيل الوصول إلى الاختبارات الجينية، إضافة إلى تعزيز الحماية القانونية ضد التمييز الجيني.
بعض الاضطرابات الوراثية النادرة والمدمرة، مثل داء «هنتنجتون» أو الخرف المبكر، تختبئ في حمضنا النووي كقنابل موقوتة. لكن عدداً أكبر بكثير من الناس يحمل طفرات يمكن أن تسبب فشل القلب أو النوبات أو تمزق الأوعية الدموية - وهي نتائج خطيرة يمكن الوقاية منها إذا تم اكتشافها مبكراً. وقد أصبحت الفحوصات للكشف عن هذه الحالات أسرع وأرخص وأكثر توفراً كل عام.
أظهرت دراسة حديثة نُشرت في المجلة الأميركية لعلم الوراثة البشرية American Journal of Human Genetics أن ربع البالغين تحت سن الأربعين الذين أدخلوا إلى وحدة العناية المركزة في مستشفى جامعة بنسلفانيا (بن ميديسين) يحملون طفرة جينية كان يمكن أن تكون ذات صلة بعلاجهم. وقال الباحث الرئيسي واختصاصي علم الوراثة السريرية «ثيودور دريفاس»، إنه فوجئ بوجود هذا العدد الكبير من الحالات الجينية المختبئة بين الناس.
لإجراء الدراسة، استخدم الباحثون عينات الحمض النووي من «بنك بيانات بن ميديسين» - وهو قاعدة بيانات تضم عشرات الآلاف من المتطوعين في منطقة فيلادلفيا الذين وافقوا على إجراء تحليل الدم دون الكشف عن هويتهم.
وجد الباحثون في هذه القاعدة 365 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً تم إدخالهم إلى وحدة العناية المركزة في «بن ميديسين» لأسباب غير الإصابات الجسدية. ثم بحثوا عن أدلة جينية. في كثير من الحالات، كان يمكن أن يحسّن الوعي بالجينات الرعاية الصحية، بل وكان يمكن أن ينقذ الأرواح.
لنأخذ حالة امرأة تبلغ من العمر 20 عاماً أُدخلت المستشفى بسبب قصور في القلب بعد ولادة طفلها الأول. تلقت العلاج في وحدة العناية المركزة ثم عادت إلى منزلها بتشخيص «اعتلال عضلة القلب بعد الولادة» - لكن دون تفسير واضح. وبعد ثلاث سنوات، عند إنجاب طفلها الثاني، أصيبت مرة أخرى بقصور في القلب وأُعيدت إلى العناية المركزة. هذه المرة، توفيت.
عند فحص حمضها النووي، وجد الباحثون أنها تحمل طفرة في جين يُسمى TTN مرتبط بفشل القلب بعد الولادة. لو كانت هي وأطباؤها على علم بذلك، لكان من الممكن متابعتها عن كثب أثناء الحمل الثاني - وربما كانت ستختار التبني لتجنب الحمل مستقبلاً. قال دريفاس: «هذه واحدة من الحالات التي أشعر أننا كان بإمكاننا التدخل فيها لو كنا نعلم».
في حالة أخرى، لجأت امرأة في الثلاثينيات من عمرها إلى العلاج من الصداع. اكتشف الأطباء وجود تمدد في شريان دماغها، فعالجوه بوضع دعامة لمنع تمزقه. لكن أثناء العملية، وجدوا تمدداً ثانياً أصغر حجماً، تم التعامل معه بعد أشهر. خلال العملية الثانية، بدأت المرأة فجأة بتشكيل تمددات شريانية جديدة في مواقع مرور القسطرة.
اكتشف الباحثون أن المرأة تحمل طفرة في جين يُسمى COL3A1، المسبب لمتلازمة «إهلرز-دانلوس» الوعائية. الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب لديهم أنسجة هشة جداً، وهم عرضة بشكل كبير للتمددات والتمزقات الشريانية. نجت المرأة، لكن الأطباء كانوا سيتابعون حالتها عن كثب ويعدّلون علاجها لو كانوا يعلمون حالتها.
لم يحتج دريفاس وزملاؤه إلى تسلسل الجينوم بالكامل للمرضى الذين درسوا حالتهم، بل ركزوا فقط على 2% منه، وهي المنطقة المسؤولة عن إنتاج البروتينات، أو ما يُعرف بالإكسوم. هذه المنطقة هي التي تحتوي على أغلب الطفرات المؤثرة في الصحة. يمكن تسلسل الإكسوم في غضون أيام قليلة، وهو أقل تكلفة بكثير من تسلسل الجينوم الكامل.
أظهرت الدراسة أن حوالي نصف المرضى فقط كانوا يعرفون بوجود الطفرات الجينية لديهم، كما وجدت تفاوتات في معرفة هذه المعلومات. توزعت الطفرات بشكل متساوٍ بين المرضى، لكن حوالي 20% فقط من المرضى السود كانوا على علم بحملهم لها، مقارنة بـ 60% من المرضى البيض. قد يكون هذا نتيجة نقص في الوصول إلى الرعاية الصحية أو ضعف الثقة بالنظام الصحي - أو كليهما، وفقاً لدريفاس.
وتبرز أهمية هذا التفاوت لأن مرضى وحدة العناية المركزة الذين لم تُشخّص حالاتهم الوراثية كانوا الأكثر عرضة للوفاة. أما من كانوا يعرفون حالاتهم فقد تم إبقاؤهم في وحدة العناية المركزة لفترة أطول ومراقبتهم عن كثب.
يتردد بعض الناس في إجراء اختبارات جينية بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية. ومن بين أسباب العزوف احتمال التمييز، والاستخدام السري للمعلومات - وإساءة استخدامها - واختراق البيانات.
لكن على الناس أن يوازنوا بين فوائد الفحوصات الجينية الصحية ومخاطر التمييز، وفقاً لـ «إي. جلين كوهين»، الخبير في قانون الصحة وأخلاقيات البيولوجيا بجامعة هارفارد. في الحالات التي يكون فيها العلم بالحالة قابلاً للتصرف، فإن الفوائد الصحية تفوق بوضوح مخاطر التحيز. يحظر قانون عدم التمييز بناءً على المعلومات الجينية (GINA) حرمان الأميركيين من العمل أو التأمين الصحي بناءً على حالاتهم الجينية. ومع ذلك، لا يشمل القانون التأمين على الرعاية طويلة الأمد أو التأمين على الحياة.
قال كوهين، إن الحماية ضد التمييز الجيني قضية غير حزبية. ويرغب الأميركيون عبر مختلف الأطياف السياسية في الاستفادة من التكنولوجيا الوراثية ومنع شركات التأمين الصحي من رفض التغطية بناءً على النتائج الجينية. وأشار كوهين إلى أن القوانين الحالية لا تغطي بما يكفي. فالقانون يحمي الأشخاص الذين لم تظهر عليهم أعراض حالاتهم الوراثية بعد، لكنه لا يحمي من يتم إرجاع مشاكلهم الطبية لاحقاً إلى سبب جيني. (رغم أن هؤلاء الأشخاص يظلون مشمولين بقانون الرعاية الصحية الميسرة وقانون قابلية نقل التأمين الصحي والمساءلة HIPAA). وقد دعا كوهين الكونجرس لتوسيع وتعزيز هذه الحماية. ومن جانبها، سنّت ولاية فلوريدا ضمانات أقوى ضد التمييز من هذا النوع، وقد تحذو ولايات أخرى حذوها.
الولايات المتحدة قامت بعمل شاق واستثمرت بكثافة في قيادة مشروع الجينوم البشري وترسيخ ريادتها العالمية في التكنولوجيا الوراثية، والآن يجب أن نقود العالم في استخدام هذه التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح وتحسين صحة الأميركيين.

* كاتبة متخصصة في العلوم.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»