في خطوة استراتيجية تعكس عمق التحولات في المشهد المالي العالمي، وقّعت سلطة دبي للخدمات المالية، الجهة التنظيمية المستقلة في مركز دبي المالي العالمي، وهيئة الأوراق المالية والعقود الآجلة، الجهة القانونية المستقلة المنوط بها تنظيم أسواق الأوراق المالية والعقود الآجلة في هونغ كونغ، مذكرة تفاهم تهدف إلى تعزيز التعاون التنظيمي والإشرافي.
وقد تم الإعلان عن هذه المذكرة خلال قمة «الحزام والطريق» العاشرة في هونغ كونغ، وهي ليست مجرد اتفاقية ثنائية، بل مؤشر واضح على تشكّل ممرات اقتصادية جديدة تربط بين أهم المراكز المالية في الشرق الأوسط وآسيا. فمن منظور تحليلي، تتجاوز هذه الشراكة حدود التعاون التقليدي لتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل في مجالات حيوية مثل إدارة الأصول، والابتكار المالي، وتدفقات رأس المال.
والحاصل أن هذه المذكرة لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبق أن وقع الطرفان اتفاقية للتعاون في مجال التكنولوجيا المالية عام 2017، والاتفاقية الجديدة تأتي لتعميق هذا التعاون وتوسيع نطاقه ليشمل الإشراف على إدارة الاستثمارات، وهو قطاع حيوي يعتمد على الثقة والشفافية.
ولا يمكن قراءة الاتفاقية الجديدة بمعزل عن السياق الاقتصادي العالمي المتغير. ففي الوقت الذي يشهد فيه العالم تحديات جيوسياسية، تبرز أهمية بناء جسور اقتصادية متينة بين المراكز المالية وإنشاء إطار عمل منظم للتشاور وتبادل المعلومات والإشراف على مديري صناديق الاستثمار الجماعي والكيانات التي تمارس أنشطة استشارية عبر الحدود.
ويمنح هذا الإطار الشركات والمستثمرين في كلا السوقين درجة أعلى من الثقة والنزاهة، فمن خلال توحيد المعايير الرقابية وضمان الامتثال، تُسهِّل الاتفاقية على مديري الأصول في مركز دبي المالي العالمي الوصول إلى أسواق هونغ كونغ، والعكس صحيح، مما يقلّل من التعقيدات التنظيمية ويزيد من كفاءة العمليات.
وقد أكدت جوليا لونج، الرئيسة التنفيذية لهيئة الأوراق المالية والعقود الآجلة في هونغ كونغ، أن هذه الشراكة تعزّز دور هونغ كونغ المحوري في ممر الصين والشرق الأوسط، مما يخلق فوائد متبادلة طويلة الأجل لكلا المركزين الماليين الدوليين. ولفهم الأهمية الحقيقية لهذه الشراكة، لا بد من النظر إلى عاملين مهمين متعلقين بمحركات النمو في دبي وهونغ كونغ والأرقام التي تقف خلفها:
أولاً- سوق التكنولوجيا المالية (الفنتك) حيث تقود دولة الإمارات سوق التكنولوجيا المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن المتوقع أن يصل حجم هذه السوق إلى 3.56 مليار دولار في عام 2025، وأن ينمو ليصل إلى 6.43 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 12.56%. وهذا النمو مدفوع ببيئة تنظيمية داعمة ومبادرات مثل «فنتك هايف» في مركز دبي المالي العالمي. في المقابل، تُعد هونغ كونغ مركزاً عالمياً للتكنولوجيا المالية يضم أكثر من 800 شركة في هذا المجال. وتشير التوقعات إلى أن إيرادات سوق التكنولوجيا المالية في هونغ كونغ قد تصل إلى 606 مليارات دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب كبير يبلغ 28.5%.
ثانياً- العلاقات التجارية، حيث تعكس أرقام التجارة الثنائية قوة العلاقات الاقتصادية القائمة بين الطرفين، فقد بلغ حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات وهونغ كونغ نحو 7.98 مليار دولار في النصف الأول من عام 2023، بزيادة قدرها 8.3% عن الفترة نفسها من عام 2022، وتُعدُّ الإمارات أكبر شريك تجاري لهونغ كونغ في منطقة الشرق الأوسط لسنوات عديدة.
إن التكامل بين مركز مالي مثل دبي، الذي رسَّخ مكانته كبوابة رئيسة لأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، ومركز آخر مثل هونغ كونغ، الذي يُعد بوابة حيوية للأسواق الآسيوية والصين، يخلق فرصاً هائلة. ولا شك أن مذكرة التفاهم بين الطرفين هي خطوةٌ مهمة نحو بناء نظام مالي أكثر ترابطاً ومرونة في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب الاقتصادية، ونموذجٌ للتعاون المثمر الذي يعود بالنفع على كلا الطرفين ويعزّز من تدفق الاستثمارات والابتكار عبر القارات.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


