أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب أن أحداً لم يمت بسبب تخفيضاتها في المساعدات الإنسانية، وهي تسعى الآن إلى إلغاء مبلغ إضافي قدره 4.9 مليار دولار من المساعدات التي أقرها الكونجرس بالفعل، لكن ما لاحظته هنا في القرى الفقيرة في جنوب غرب أوغندا هو أن تخفيضات المساعدات لا تقتل الأطفال يومياً فحسب، بل إن عدد الوفيات يتزايد.
بدأ مخزون الغذاء والأدوية هنا بالتناقص. تم فصل العاملين في مجال الصحة في القرى، والذين كانوا يقدمون خدمات رعاية صحية وقائية بأسعار زهيدة. وتوقفت برامج الصحة العامة مثل مكافحة الديدان المعوية وتوزيع فيتامين أ. ولا يتم إعطاء الأطفال جرعات التطعيم، وأصبح الحصول على وسائل منع الحمل أكثر صعوبة. ويزداد وضع الناس سوءاً، فهم أصبحوا أكثر ضعفاً وجوعاً. ومع مرور الأشهر، لم تنحسر الأزمة بل تزداد فتكاً، وبما أن الأطفال أكثر عرضة للخطر، فهم أول مَن يعاني المجاعة وأول مَن يموت.
من الصعب معرفة عدد الأطفال الذين يموتون حول العالم نتيجة لتخفيض المساعدات، لكن تقديرات موثوقة لخبراء تشير إلى أن حصيلة وفيات الأطفال قد تصل إلى مئات الآلاف هذا العام وحده، وربما تكون أعلى العام المقبل. وباختصار، تبدو هذه التخفيضات هي أكثر الخطوات فتكاً.
قد يظن بعضهم أن هذه التخفيضات توفر أموالَ دافعي الضرائب، لكن تمهّلوا. لقد حصلتُ على مذكرة لوزارة الخارجية مؤرخة في 3 يونيو، وُصفت بأنها «حساسة ولكن غير سرية»، تقول إن إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية سيكلف دافعي الضرائب 6.4 مليار دولار على مدى عامين.
وذكرت المذكرة أن هذه الأموال ضرورية لإدارة «التقاضي، والادعاءات، والمدفوعات المتبقية، وأنشطة الإغلاق». وهذا المبلغ يكفي لإنقاذ حياة أكثر من مليون طفل. وبدلا من ذلك، يُستخدم لإغلاق برامج تنقذ الأرواح.
دعونا نُطلع الإدارة على معاناة أمهات الأطفال الذين تسبب تقليص المساعدات في موتهم. «فالنتين توسيفو»، لاجئة من الكونغو تبلغ من العمر 36 عاماً، تعيش حالة من الحزن على ابنتها «جيبيا» البالغة من العمر 10 سنوات، والتي كانت متفوقة في دراستها، لكن العائلة اضطرّت لسحبها من المدرسة في مايو بعد أن أدى تخفيض التمويل الأميركي إلى فصل عدد كبير من المعلمين. ثم ساءت الأمور بعد نفاد إمدادات مكافحة الملاريا. أخذت الأم ابنتها، وهي تعاني الحمى والقيء إلى المركز الصحي المحلي، لكنه كان خالياً من الأدوية الضرورية. وحاول الأطباء نقلها إلى مستشفى إقليمي، لكن لم تكن هناك سيارات إسعاف، لأن السائقين سُرحوا جراء تخفيض المساعدات الأميركية. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه جيبيا إلى المستشفى، كانت الملاريا قد دمرت خلايا دمها الحمراء. كانت بحاجة ماسة إلى نقل دم، لكن برنامج التبرع بالدم في أوغندا كان يعتمد على الدعم الأميركي، وهو الآن يتعثر. لم يتوفر نقل دم، لجيبيا فماتت في 7 يوليو.
وقد أفادت منظمة «ميديكال تيمز إنترناشونال» بأن معدل وفيات الأطفال الرضع في مخيمَي اللاجئين اللذين زرتُهما في أوغندا، نكفيل ورواموانجا، قد تضاعف هذا العام. وتسعى المنظمة إلى تقديم الرعاية الصحية رغم نقص الموارد. ونتيجة لذلك، يموت قرابة ثلاثة أطفال حديثي الولادة أسبوعياً في مخيم نكفيل وحده، وهو أحد 13 مخيماً للاجئين في أوغندا تواجه مشاكل مماثلة.
أحد أسباب هذه الأزمة: تخفيض الولايات المتحدة مساعداتها الإنسانية للاجئين في أوغندا، من 200 مليون دولار عام 2024 إلى 38 مليون دولار عام 2025، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة، وذلك على الرغم من ازدياد عدد اللاجئين. وعلى الصعيد العالمي، تم إلغاء حوالي 86% من عقود الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، وفقاً لمركز التنمية العالمية.
تقديرات عدد الوفيات الناتجة عن تخفيض المساعدات تختلف من جهة إلى أخرى، فأحد المواقع الإلكترونية التي يديرها خبير في الأمراض المعدية يقدّر العدد الإجمالي حتى الآن بنحو 330000 طفل و160000 بالغ. وأشارت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «لانسيت» إلى أن تخفيضات المساعدات الإنسانية ستُكلّف أرواح 690 ألف طفل دون الخامسة من العمر في عام 2025، و829 ألف طفل في العام المقبل. وتقدّر الدراسة أن ما يقارب 3.1 مليون طفل دون الخامسة من العمر سيموتون خلال السنوات الثلاث القادمة بسبب هذه التخفيضات.
وفي شهري أبريل ومايو الماضيين، اضطر برنامج الغذاء العالمي إلى تعليق مساعداته لـ63% من اللاجئين في أوغندا، وفقاً للأمم المتحدة. ولم يتلق معظمهم أي مساعدات خلال الأشهر الأخيرة.
وكان برنامج «خطة الرئيس الطارئة لمكافحة الإيدز» (PEPFAR)، الذي أنشأه الرئيس جورج دبليو بوش، أحد أهم برامج الولايات المتحدة، حيث ساهم في مكافحة الإيدز، وأنقذ 26 مليون حياة، لكن الإدارة الحالية قلصت تمويله ووضعت خطة لإنهائه.
لقد تم إلغاء نحو 65% من منح برنامج PEPFAR. ومن جنوب السودان إلى سيراليون إلى أوغندا، أجد أشخاصاً يمرضون ويموتون بسبب خلل البرنامج. ويبدو أن هذا أيضاً سيتسارع مع حرمان الناس من الأدوية المضادة للفيروسات واتساق نطاق العدوى الفيروسية.
أُدرك أن الأميركيين يشعرون بالتعب من الأعباء الدولية، ولا يرون أن من واجبهم إنقاذ كل فقير في العالم. لكن تكلفة شباك البعوض (الناموسيات) التي كانت ستنقذ حياة «جيبيا» لا تتجاوز دولارين. أما الأدوية المضادة للفيروسات فتكلفتها أقل من 12 سنتاً يومياً. فهل نعتقد حقاً أن أغنى دولة في تاريخ البشرية لا تستطيع توفير هذه المبالغ الزهيدة؟
لقد استقبلت أوغندا بشكل لافت قرابة مليوني لاجئ من الكونغو وجنوب السودان ودول مجاورة أخرى، وهذا الإحسان الذي تبديه تجاه اللاجئين يبرر ضرورة تقديم المساعدة للشعب الأوغندي نفسه، خاصة أن أوضاع أوغندا أفضل من بعض الدول الأفريقية الأخرى. فإذا كان الوضع هنا بهذه الصعوبة، فكيف سيكون الوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطي، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والسودان، ودولة جنوب السودان؟
*صحفي ومعلق سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع «نيويورك تايمز»


