طه حسيب (أبوظبي)

=لدى العالم مليون كيلو متر من السكك الحديدية يمكن استثمارها في إنتاج الطاقة الشمسية

= مشروع سويسري لتثبيت ألواح الطاقة الشمسية بين قضبان السكك الحديدية 

= المشروع يطمح إلى: تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 180 ألف طن، وتوليد 1 تيراواط ساعة من الطاقة الشمسية سنوياً

=تلبية احتياجات 300 ألف أسرة سويسرية من الكهرباء

 لطالما كانت وسائل النقل العام أكثر استدامة من السيارات الخاصة، وتتفوق القطارات على غيرها من هذه الوسائل في تخفيض انبعاثات القطاع، وضمن هذا الإطار تشير الحكومة الأسكتلندية إلى أن حافلات النقل العام قادرة على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 42%، أما القطارات فتستطيع تخفيضها بنسبة 73%. ولذلك يمكن اعتبار النقل العام أحد الحلول المناخية المتاحة، خاصة إذا اعتمدت على مصادر طاقة متجددة. أثناء انتظاره أحد قطارات الركاب، راودت السويسري «جوزيف سكوديري» فكرة استغلال المساحات المتاحة بين خطوط السكك الحديدية في إنتاج الطاقة الشمسية. الفكرة بدأت عام 2020 وتعثرت 3 سنوات قبل أن تحصل في الأول من أكتوبر عام 2024 على موافقة الجهات السويسرية المختصة بالنقل، وذلك بعد اتجاه الشركة لإجراء دراسة مستقلة أكدت خلالها أن تركيب الألواح الشمسية بين قضبان السكك الحديدية لن يؤثر على سلامة القطارات أو يربك عمليات الصيانة التي تحتاجها خطوط السكك الحديدية.

وبعد مراجعة شاملة استمرت عشرة أشهر، أعطى المكتب الفيدرالي السويسري للنقل الضوء الأخضر لتركيب الألواح الشمسية المبتكرة بين قضبان نظام السكك الحديدية السويسري، علماً بأن هذه الألواح قابلة للإزالة ويمكن تركيبها يدوياً أو ميكانيكياً بسهولة، وعملية تثبيت الألواح تتم عبر مقطورة خاصّة تابعة لشركة «شوزسير» السويسرية المتخصّصة في صيانة السكك الحديديّة، قادرة على تركيب ما يقارب 1000 متر مربع من الألواح الشمسيّة، وإزالتها في غضون ساعات قليلة.

ونجحت شركة «صن ويز» السويسرية الناشئة، الحائزة العديد من جوائز الابتكار، في تطبيق الفكرة عبر تقنية لتثبيت ألواح الطاقة الشمسية على المساحات الفاصلة بين قضبان السكك الحديدية، مع إمكانية إزالة الألواح بسهولة عند الحاجة، خاصة لدواعي صيانة الخطوط الحديدية من أجل التأكد من سلامة الحركة. وعبر مشروع تجريبي تم تنفيذه في أبريل الماضي، نجحت «صن ويز»، بعد حصولها على دعم من الوكالة السويسريّة لتشجيع الابتكار، في تثبيت 48 لوحاً شمسياً بطول 100 متر من خطوط السكك الحديدية في قرية «بوت» غرب سويسرا، كما حصلت الشركة الناشئة على دعم قرابة عشر شركات، وقد بلغت الميزانيّة التقديريّة للمرحلة التجريبيّة الأولى في بوت 585000 فرنك سويسري. ومن خلال التيار الكهروضوئي الناتج عن الألواح الشمسية المثبتة بين قضبان السكك الحديدية، يمكن تشغيل البنية التحتية للسكك الحديدية (على سبيل الإشارات الضوئية داخل المحطات)، أو استثمار تيار الطاقة المتجددة في تغذية شبكة الكهرباء القريبة من محطات السكك الحديدية كي تتم الاستفادة منها عبر شبكة التوزيع المحلية، ومن الممكن استخدام طاقة الألواح الشمسية داخل عربات القطارات.

المشروع يحمل طموحاً باستثمار شبكة خطوط السكك الحديدية السويسرية الممتدة على 5320 كيلو متراً في توليد مليار كيلووات ساعة من الطاقة الشمسية سنوياً، بما يلبي احتياجات 300 ألف أسرة سويسرية من الكهرباء. خطوة مبتكرة بطموح مستدام في الغرب السويسري المتفوق تقنياً، وجاذبية لفتت انتباه دول مثل الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية وإسبانيا ورومانيا، خاصة أن قطاع النقل من بين القطاعات الأكثر مساهمة في الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون بنسبة تبلغ 25%، ويساهم أيضاً بـ 14% من انبعاثات الغازات الأخرى.

وبدمج الخلايا الكهروضوئية في خطوط السكك الحديدية، يمكن تشغيل القطارات مباشرة بالطاقة المتجددة، وتشغيل محطات شحن السيارات الكهربائية، وفي الوقت نفسه تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وزيادة استقلال الطاقة لنظام النقل العام بأكمله. المشروع قادر على: تقليل انبعاثات ثاني أكيد الكربون بمقدار 180 ألف طن، وتوليد 1 تيراواط ساعة من الطاقة الشمسية سنوياً لتلبية احتياجات 300 ألف أسرة من الطاقة الكهربائية، أو ما يعادل 2% من احتياجات سويسرا من الطاقة، علماً بأن أهداف سويسرا في مجال الطاقة المتجددة بحلول 2035 تتطلب مضاعفة إنتاجها المحلي من الطاقة الشمسية بمقدار 7 أضعاف، وبالفعل تحقق طفرة في إنتاج الطاقة الشمسية بمعدل زيادة سنوية تبلغ 40%، وذلك ضمن مساعيها للوصول إلى انبعاثات صفرية بحلول العام 2025. فكرة تركيب الألواح الشمسية على طول خطوط السكك الحديدية ليست جديدة، حيث قامت شركتان هما Greenrail الإيطالية وBankset Energy الإنجليزية، باختبار عناصر كهروضوئية مثبتة على عوارض السكك الحديدية، لكن الشركة السويسرية الناشئة كان لها السبق في الحصول على براءة اختراع لابتكار نظام طاقة شمسية قابل للإزالة، وذلك بالتعاون مع المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان. التجربة السويسرية يمكن لدول العالم الاستفادة منها للحد من الانبعاثات وتعزيز الاستدامة من خلال قطاع النقل، ولدى العالم مليون كيلو متر من السكك الحديدية، يمكن استثمارها في إنتاج الطاقة الشمسية.

وبعيداً عن سويسرا، حظيت فكرة استخدام المساحات المتاحة بين قضبان السكك الحديدية في إنتاج الطاقة الشمسية باهتمام شركة السكك الحديدية الوطنية الفرنسية، وهناك نقاشات تدور حولها في إسبانيا ورومانيا وكوريا الجنوبية والصين والولايات المتحدة.

وفي فبراير الماضي، أطلقت شركة السكك الحديدية الوطنية الفرنسية (SNCF) مشروع «سولفيج» لتوليد الطاقة الشمسية من خطوط السكك الحديدية غير المستخدمة، ضمن خطوة تبشر بحلول مبتكرة يمكن من خلالها دمج مصادر الطاقة المتجددة في البنى التحتية. تجربة «صن ويز» تستغل المساحات المتاحة داخل البنية التحتية لخطوط السكك الحديدية، ما يقلل من الاعتماد على مساحات إضافية من الأراضي لإنتاج الطاقة الشمسية، فهل نشهد تطبيقاً للتجربة السويسرية في دول أخرى، خاصة من الجنوب العالمي؟