فكرة الهوية صناعة، وليست جوهراً في وجدان البشر، ليست معطى طبيعياً، بل هي بناء اجتماعي ثقافي وسياسي لا يولد به الإنسان، بل يفرض عليه، ويكتسبه مع مرور الوقت. إذاً البشرية تزحف نحو زاوية ضيقة ومظلمة في مقهى الحياة، وهنا يُطرح سؤال وجودي صاعق: هل تظل الهويات الوطنية قائمة، أم يبتلعها الثقب الأسود للخوارزميات؟
الهوية الوطنية ليست سمة بيولوجية لتبقى صامدة حينما تفكك البيانات كل ما كنا نظنه طبيعياً، كما تشير إحصائيات «مركز بيو للأبحاث» (2024) إلى أن 63% من شباب الجيل Z في أوروبا يعتبرون الهوية العالمية أهم من الهوية الوطنية، في مقابل 21% فقط من جيل الطفرة السكانية. الهوية، إذن، تتآكل لا بالسلاح أو الاستعمار، بل بالبث المباشر. 
ومع ثورة الاتصالات لم تعد الهوية ثابتة، وأصبح الإنسان يختار من يكون، ويعيد تشكيل ذاته كما يريد نحو هوية فردية أو مشتركة قد تؤمن بالعدالة والحرية والكرامة، ولكن تختار ألا تعتبرها مطلباً ملحاً.من جهة أخرى، أتساءل إن كان الذكاء الاصطناعي هو مرايا الذات أم مسوخ الوعي؟ فحين تطوّر «أوبن إيه آي» نموذجاً يتحدث بكل لغات البشر، ويجتاز اختبار «البار» الأميركي بدرجة أعلى من متوسط المحامين البشر (كما حصل في عام 2023)، فنحن لا نصنع أداة، بل نخلق كائناً يعيد تعريف الكفاءة، وربما الوجود ذاته. وتقول دراسة نشرتها مجلة «نيتشر ماشين إنتيليجنس» في مارس 2025 إن 71% من مستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي يطورون اعتماداً وجدانياً شبه نفسي تجاه الآلة، وهو ما يدعو لإعادة التفكير في شكل «الولاء ذاته».
البشرية  باتت في خضم ما بعد الوطنية، وقد دخلت دون وثائق ووسائل سفر في جمهورية الخوارزميات، ولا سيما أن الذكاء الاصطناعي لا يعترف بالجغرافيا، ولا يعترف بالتأشيرات. فكيف تحمي دولة ما هويتها إذا كانت الخوارزميات التي تدرس أطفالها، وتقيّم طلابها، وتوظف موظفيها، تكتب في وادي السيليكون أو شنغهاي؟ 
بعض المناهج التعليمية في المدارس الخاصة تعتمد على أدوات ذكاء اصطناعي مستوردة، مع محتوى معرفي يصعب مراقبته، ولذلك تدرك أكثر من غيرها بأهمية البنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي، وما تستثمره في هذا المجال من دون أدنى شك ثمن بخس مقابل ما ستجنيه من فوائد، وخاصة فيما يتعلق بالهوية الرقمية العربية، ورفض صريح لتسليم الهوية إلى يد الآلة.في إطار الأنثروبولوجيا الرقمية في بداية عام 2025، كان هناك 5.56 مليار شخص يستخدم الإنترنت، وكذلك 5.24 مليار هوية رقمية في وسائل التواصل الاجتماعي، ومعظم هذه الهويات تدار عبر خوادم شركات خاصة، تفرض سياسات الخصوصية كما تشاء، وتصنف الأفراد بطرق غير مرئية. فالأوطان تدار هوياتها من خلال برمجيات تملكها أقل من 1% من الشركات العالمية، ولذلك الحكومة الذكية، والتي تبرع في إدارة المستقبل تدخل في شراكة مع العديد من الشركات التقنية العملاقة، ولديها شركاتها التي تدار من قبلها لأنها تعلم أن السيادة، كمفهوم، أصبح يقاس بسرعة الخوارزميات وإدارة البيانات الكبرى والحوسبة الكمومية، وما خلفها لا بصوت الجمهور، وهنا تكمن أهمية الاستثمار في البحث العلمي والابتكار ووضع لبنات الأساس التكنولوجي المتقدم، وهو ما تبرع به إمارة أبوظبي على وجه الخصوص، ودولة الإمارات على وجه العموم ضمن دول النخبة في عالم الذكاء الاصطناعي وتسير المملكة العربية السعودية في هذا الاتجاه بثبات وثقة كبيرة.
إذاً الهوية القادمة للمواطن العربي مربوطة بتقدمه التقني والتكنولوجي في عالم سيسبق فيه العلم والاقتصاد السياسة، عالم الخوارزميات ستعيد فيه هندسة الإدراك وصياغة هوية هجينة لا تنكر الإرث الثقافي، ولا تخشى التقدم التقني. هوية تعترف بأن الإنسان ليس آلة، لكنه لم يعد أيضاً مجرد بشر. نحن أمام لحظة تحولية فارقة ستعيد كتابة تعريف المواطنة، ولن ترتبط بالوثائق، بل بالبيانات؛ وليس بالولاء الجغرافي، بل بالتفاعل الرقمي المسؤول.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.