في يونيو الماضي، تلقت المفوضية الأوروبية طلباً من بروكسل يتعلق بتمويل تكاليف تجديد المنطقة المركزية التي تضم أهم مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بما فيها مقر المفوضية، وهي تكاليف فاقت التوقعات. ومع ارتفاع مستويات الديون بشكل خطير بالفعل، كانت المدينة في أمس الحاجة إلى التمويل. ويبدو ذلك للكثيرين كما لو أن الاتحاد الأوروبي أرسل الطلب لنفسه.
لكن بالنسبة لسكان المدينة، فإن مساواة بروكسل بالاتحاد الأوروبي ليست بديهية على الإطلاق. فالعاصمة البلجيكية ثنائية اللغة لا تحتضن فقط مؤسسات الاتحاد التي يعمل فيها نحو 50 ألف موظف يعيشون غالباً في فقاعة الوافدين، بل تضم أيضاً أكثر من 1.2 مليون نسمة ولها حكومة بلدية كبرى خاصة بها. ومنذ عام 1989، أصبحت واحدة من الأقاليم الثلاثة شبه المستقلة في البلاد. وبالنسبة لواحدة من أكثر مدن العالم تنوعاً، 45% من سكانها مولودين في الخارج، يُمثل ذلك تجربةً طويلة الأمد في الحكم الذاتي.
إلا أن تلك الجهود تتعرض الآن لضغوط شديدة، فعلى مدى أكثر من عام، ظلت بروكسل من دون حكومة فاعلة. وتتزايد علامات الخلل، من تزايد التشرد إلى انهيار البنية التحتية، وتلوح في الأفق أزمة مالية لا تختلف عن أزمة مدينة نيويورك في السبعينيات. كما تصاعدت أعمال العنف المرتبطة بتجارة المخدرات مما أدى إلى تشبيه المدينة بمرسيليا الفرنسية الموبوءة بالجريمة. ويبدو أن بروكسل تقترب من نهاية تجربتها في الحكم الذاتي الحضري.
وتتجاوز أهمية هذا التراجع بلجيكا نفسها، فمع تزايد ميل الدول الغربية نحو اليمين، وجه العديد من الليبراليين والتقدميين أنظارهم إلى المدن كحصون محتملة ضد طفرة السياسات اليمينية. وفي المجر، يُعد عمدة بودابست شخصية بارزة في المعارضة لسياسات اليمين في المجر، تماماً كما كان عمدة وارسو رمزاً لليبرالية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في بولندا.
وفي إيطاليا، تتمسك بولونيا بمكانتها كملاذ للمقاومة ضد اليمين، المتشبث بالسلطة بقوة بقيادة جورجيا ميلوني. وفي الولايات المتحدة، إلى جانب مدن الملاذ التي تتحدى حملات ترامب ضد المهاجرين، أحيا فوز زهران ممداني في الانتخابات التمهيدية في نيويورك الآمال في اشتراكية محلية في مواجهة تيار ترامب.
أما بروكسل، التي طالما احتفى بها الفيلسوف فيليب فان باريجس كمثال للديمقراطية العالمية، تمثل لهم سابقةً مثيرة للقلق. حيث صور فان «باريجس» مدينته بروكسل بانتظام كمختبر سياسي، مُستلهماً من تقاليد البلديات اليسارية القديمة، من «فيينا الحمراء» في عشرينيات القرن الماضي، والتي أعادت بناء المدينة من رماد الحرب العالمية الأولى، إلى لندن بقيادة كين ليفينغستون خلال الثمانينيات.
لكن لا يُمكن لبروكسل أن تطمح إلى هذه المعايير. ومع ذلك، فقد استغلت استقلاليتها النسبية داخل الهيكل الفيدرالي البلجيكي المُعقّد بفاعلية. فقد طورت نظام نقل عاماً قوياً يتفوق بسهولة على أنظمة المدن الأوروبية الكبرى، وأشرفت على دولة رفاه سخية، حتى لو كان ذلك في الغالب إنجازاً فيدرالياً. وحافظت على نهج شامل وتعددي في الحكم. وأصبح كل ذلك مُهدداً الآن، بسبب التعقيدات البلجيكية النموذجية.
فالمدينة مقسمة بشكل غريب إلى 19 بلدية لكل منها عمدتها وأجهزتها الإدارية البيروقراطية. وتعلوها حكومة إقليمية مشتتة تضم ائتلافاً من السياسيين الفلمنكيين والفرنكوفونيين، يحكمون مدينة ثنائية اللغة رسمياً، لكنها ظلت ناطقة بالفرنسية عملياً إلى أن تراجع ناطقو الفرنسية مؤخراً من الأغلبية المطلقة إلى أغلبية نسبية.
لعقود، بدا أن هذا الترتيب المُعقد للغاية ناجحاً. وتشكلت أغلبيات على جانبي الانقسام اللغوي، بعد ذلك، انقسمت الأحزاب الحاكمة على الائتلاف الحاكم الذي تولى المناصب الوزارية. لكن بعد انتخابات يونيو 2024، انهارت القواعد القديمة. ورفض الاشتراكيون الفرانكفونيون العمل مع القوميين الفلمنكيين، بينما رفض السياسيون الليبراليون الناطقون بالفرنسية الائتلاف مع حزب إسلامي جديد.
وكانت النتيجة طريقاً مسدوداً. ومع تراجع التصنيف الائتماني للمدينة، أصبح من شبه المؤكد أن حكومة بروكسل المُستقبلية ستضطر إلى الموافقة على برنامج تقشف. لكن الحزب الاشتراكي بعيد كل البعد عن حرصه على تمريره، فبعد أن ظل مهيمناً لفترة طويلة في جنوب البلاد، نجح إلى حد كبير في مقاومة تآكل الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في جميع أنحاء القارة. لكنه يفقد أعضاءه ودعمه الانتخابي بمعدل مثير للقلق. ومن المؤكد أن الإشراف على تخفيضات الإنفاق الاجتماعي سيُواصل تراجعه.
والحقيقة المؤسفة أنه لا توجد حلول سريعة لعجز ميزانية المدينة. ورغم أن المفاوضات جارية بين الأحزاب لخفض الإنفاق بمليار يورو، لكن السلطة المالية الحقيقية بيد الحكومة الفيدرالية، حيث يقود ائتلاف قومي فلمنكي يميني برنامج تغييرات شاملة، من بينها تحديد سقف لإعانات البطالة، بهدف تفكيك دولة الرفاه التي كانت تتمتع بالقوة في السابق.
ومع تفاقم العنف المرتبط بالمخدرات، حيث سُجل أكثر من 20 حادث إطلاق نار الصيف الحالي، ظهر خيار «نووي»، أشبه بانقلاب فيدرالي تسيطر فيه الحكومة الوطنية على حكومة بروكسل. وفي بادرة تنذر بالسوء، سخر رئيس الوزراء بارت دي ويفر من المدينة واصفاً إياها بأنها «دولة فاشلة»، ملمحاً إلى معالجة على طريقة صندوق النقد الدولي. ويمكن أن يتم الانقضاض الفعال عبر ثغرة دستورية، فإذا اعتُبر أن دور المدينة الدولي مهدد، يمكن للحكومة الفيدرالية أن تتدخل بصفتها وصياً على ميزانيتها.
ورغم خصوصياتها البلجيكية، تكشف بروكسل عن حقيقة أوسع. ففي عصر الركود وردود الفعل، تتجلى جاذبية السياسات البلدية بوضوح. فتجاوزها للحكومة الوطنية، التي تتزايد رسوخاً في قبضة اليمين، يتيح فرصة للسيطرة وتحسين حياة المواطنين في المناطق المجاورة. ومن المفيد أيضاً وجود بعض الأمثلة الناجحة.مع ذلك، تُقدم بروكسل درساً مهما في الواقعية السياسية وحدود السلطة الحضرية. فحتى في عصر العولمة، ستظل السلطة الوطنية تُقيد استقلالية المدن، وهي مهمة شائكة تواجه صعوبات وخلافات مستعصية. وبالنسبة لأولئك الذين يحلمون بعوالم أفضل في نيويورك أو بودابست أو أي مكان آخر، فإن قصة مدينتي الأم قصة صادمة.
* مدرس العلوم السياسية في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب «السياسة المفرطة: تسييس متطرف بلا عواقب سياسية»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


