شكلت أحداث السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول خطيرة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط برمتها، وليس فقط في تاريخ القضية الفلسطينية وقطاع غزة على وجه الخصوص. فالهجوم غير المحسوب الذي شنته حركة حماس في هذا اليوم على إسرائيل، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص إسرائيلي، وأسر أكثر من 250 رهينة، دفع الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتشددة، مسنودةً بدعم أميركي غير مسبوق، إلى شن أطول حرب في تاريخ إسرائيل، استخدمت فيها كل الوسائل -المشروعة وغير المشروعة- ضد الشعب الفلسطيني، ما أسقط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، ومئات الآلاف من المصابين والمفقودين، وهي تقديرات ربما تتزايد بصورة كبيرة مع انتهاء الحرب في ظل وجود ضحايا كُثر تحت الأنقاض.
ومع هذه المأساة الإنسانية، تسببت الحرب في دمار هائل في أنحاء قطاع غزة قد يحتاج إلى عقود لإعادة بنائه، فيما يتكدس مئات الآلاف من الأشخاص في مخيمات بائسة، وينزحون من وقت لآخر وفق الأنشطة العسكرية، ولا توجد منازل يعودون إليها. كما يحوي الحطام والدمار جُثَثًا تحت الأنقاض وقنابل غير منفجرة، وتخشى المنظمات الأممية من ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية في المواليد بسبب تسرب المعادن في العقود المقبلة.
كما جلبت الحرب على إسرائيل اتهامات بارتكاب «جرائم حرب» و«إبادة جماعية» في غزة، وزادت بسببها اعترافات دول غربية عدة بالدولة الفلسطينية، وبدأ العالم يقرأ الشرق الأوسط بشكل مختلف. وبالفعل باتت القضية الفلسطينية في صدارة المشهد الدولي شعبياً ورسمياً، لكن التكلفة كانت فائقة الفداحة إنسانياً ومادياً، إذ تحتاج غزة إلى الكثير حتى يمكن للفلسطينيين العيش فيها، مع تفاقم المعاناة الإنسانية، وحدوث المجاعة في بعض مناطق القطاع وفق إعلان للأمم المتحدة، وفقدان حياة أكثر من 3 آلاف فلسطيني شهرياً كمتوسط منذ بدء الحرب على غزة.
لم تقتصر تأثيرات الحرب وتداعياتها على سكان غزة والفلسطينيين عموماً، بل اتسع نطاقها ليشمل لبنان وإيران واليمن وسوريا، وطالت نيرانها حتى دول حليفة للولايات المتحدة مثل قطر، ولا تزال أغلب هذه الميادين متأهبة لاحتمال وقوع مواجهات عسكرية جديدة. ولم تسفر جهود الوساطة التي قادتها قوى إقليمية ودولية على مدار عامين كاملين عن تحقيق اختراق حقيقي ينهي الحرب على غزة، باستثناء مرتين فقط تم خلالهما التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار لم يستمر طويلاً، جرى فيهما تبادل معظم الأسرى، وبقي لإسرائيل أقل من 50 محتجزاً بين حي وميت. وبينما لم تكن قرارات محكمة العدل الدولية حاسمة في إلزام إسرائيل بحماية المدنيين وتلبية الاحتياجات الأساسية، فإن خلل توازنات مجلس الأمن الدولي عطل قدرته على إنهاء الحرب.
وغداً، ومع حلول الذكرى الثانية لهجمات السابع من أكتوبر، تبدو الأمور مهيأة بصورة كبيرة لوضع حد لهذه الحرب الدموية، وإنهاء المأساة الإنسانية التي تسببت بها هجمات «حماس»، التي لم تقرأ المشهد الإقليمي والدولي جيداً، وكذلك السلوك العدواني الإسرائيلي، المُفرط في استخدام القوة دون وازع من ضمير أو أخلاق أو قانون دولي. فمع طرح خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على غزة، والقبول الدولي والإقليمي الواسع بها -والأهم من ذلك قبول إسرائيل و«حماس» بها- يبرز ضوء واضح في نهاية هذا النفق المظلم. وهذا أمر يحتاج إلى تضافر الجهود على كافة المستويات لاستعادة مسار السلام القائم على حل الدولتين، بعد أن ابتعد خط النهاية لهذه الحرب ابتعاداً كثيراً، ولا يمكن لهذه المأساة الإنسانية أن تستمر.
*باحثة – نائبة رئيس قطاع الشؤون الإدارية والإعلام- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.


