أثار حكم قاضٍ فيدرالي في بوسطن، مؤخراً، ضجةً كبيرةً، إذ اتهم الحكومة الفيدرالية، في مساعيها لترحيل طلاب الجامعات ذوي الآراء السياسية غير المقبولة، بانتهاك التعديل الأول للدستور. ووصف المعلقون رأي قاضي المقاطعة «ويليام جي. يونج» بأنه «لاذع» و«تاريخي».. وما إلى ذلك. ويسعدني أن أرى أن المحكمة سعت لإيجاد سبيل لتوسيع نطاق حماية حرية التعبير لتشمل المقيمين في البلاد بتأشيرات مؤقتة. لكن رغم تعاطفي مع النتيجة، أجد أن القرار الذي يُشاد به كثيراً غير مقنع إلى حدٍّ ما، ربما لأن القاضي انطلق للإجابة عن السؤال الخطأ.
ومع أنني مستاء من هجوم الإدارة على حرية الرأي، إلا أنني أتساءل عمّا إذا كانت الحقوق الدستورية هي الإطار الأنسب لفهم الخلل العميق الذي أصاب الدستور في هذه الحالة. وإليكم مبدأً ديمقراطياً واضحاً: لا ينبغي للحكومة الأميركية أن تراقب أو توثّق أو تعاقب ما يقوله الأشخاص الخاضعون لسلطتها القضائية، وإن كانت هناك استثناءات نادرة، لكنها يجب أن تبقى نادرة. وإلا فإن النقاش العام سيتضرر، ومعه تتضرر الديمقراطية الأميركية نفسها. وكما سيلاحظ أي ليبرالي سريعاً، فإن هذه النقطة لا تتعلق بحقوق الأفراد، بل تتعلق بهيكل الحكومة وحدودها. ولفهم السبب، لننظر في قضية رابطة أساتذة الجامعات الأميركية ضد روبيو، التي أصدر فيها القاضي يونج قراره.
المدّعون - ثلاث فروع من الرابطة، إلى جانب جمعية دراسات الشرق الأوسط، وقد جادلوا بأن خطاب أعضائهم تم تقييده بفعل الحملة التي شنتها الإدارة ضد غير المواطنين الذين، وفق أمرٍ تنفيذي أصدره الرئيس ترامب في يومه الأول في المنصب، «يعتنقون أيديولوجيات كريهة»، وبشكل خاص الآراء المؤيدة لفلسطين. تستند عمليات الترحيل التي تدور حولها القضية إلى سلطة قانونية يمنحها الكونجرس لوزير الخارجية، تخوّله ترحيلَ حاملي التأشيرات بسبب «معتقدات أو تصريحات أو ارتباطات» قانونية، لكن فقط إذا رأى الوزير أن عدم القيام بذلك سيقوّض مصلحةً أميركيةً ملحّة في السياسة الخارجية. ويملك الوزير سلطة أوسع بكثير تخوّله إلغاء أي تأشيرة «في أي وقت، وفق تقديره الخاص».
هذه صلاحيات واسعة للغاية، وكما يلاحظ الباحثون كثيراً، لا يوجد الكثير من السوابق القانونية التي تنظّمها. كانت القضية المطروحة أمام المحكمة، وهي قضيةٌ لطالما تحفّظ القضاة عليها، هي ما إذا كان التعديل الأول للدستور يحدّ من هذه الصلاحيات التقديرية الفيدرالية المماثلة على حاملي التأشيرات. على سبيل المثال، لا يمكن للحكومة معاقبة أحد مواطنيها على أقسى تعبير عن آراء معادية، وخلافاً لما يعتقده اليسار واليمين في كثير من الأحيان، فإن التعديل الأول لا يُقرّ أي استثناء لخطاب «الكراهية». لكن ماذا عن غير الأميركيين من حاملي تأشيرة طالب؟ هل القواعد هي نفسها؟ كان هذا، حتى وقت قريب، مجالا غير مطروق إلى حد كبير.
وقد خلص القاضي يونج إلى أن السلطة التقديرية الواسعة لوزير الخارجية لا تشمل ترحيل حاملي التأشيرات على أساس التعبير وحده، مهما كان تعبيراً بغيضاً، وخلص أيضاً إلى أن التعبير، والتعبير فقط، هو ما دفع إلى إلغاء التأشيرات محل النزاع. لقد أُعجبت بالنتيجة، لكن الحكم نفسه إشكالي، وربما إلى درجة تدعو محكمة الاستئناف إلى نقضه. فهو طويل بلا داعٍ (أكثر من 160 صفحة)، وصياغته ليست جيدة، بل مليئة بالتكرار والاستطرادات السياسية، وحتى أخطاء لغوية بسيطة. وقد وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» بعبارةٍ مهذّبة: «مطوّل ومعقد». بل إن بعض فقراته تبدو وكأنها بيانٌ صحفي، ما يفسّر ربما لماذا وجدته وسائل الإعلام قابلاً للاقتباس بسهولة.
والأسوأ أن القاضي تجاهل بأقل من فقرتين السابقة القضائية الأهم للمحكمة العليا في هذا الموضوع. أظن أن الصعوبات لا تنبع من أي عجز عن التعامل مع هذه القضايا، بل من تحدي محاولة دمج ما يُعتبر في الواقع مشكلة سلطة حكومية في نظام ديمقراطي ضمن إطار التعديل الأول. وللتوضيح أكثر، يمكن النظر إلى مثالٍ آخر يتعلق بالهجرة أيضاً. يشعر أنصار التعديل الأول بالغضب من قرار شركة «آبل» الأخير بالرضوخ لضغوط وزارة العدل وإزالة تطبيق ICEBlock وتطبيقات مشابهة من متجرها، وهي تطبيقات تمكّن المستخدمين من تتبّع مواقع عناصر الهجرة في الوقت الفعلي. يقول المطوّر إن التطبيق يساعد الناس على تجنّب المناطق الخطرة، فيما تقول الوزارة إنه يُعرّض موظفيها للخطر، وتشير التقارير إلى أن مطلق النار في مركز احتجاز دالاس استخدم هذا التطبيق أو تطبيقاً مشابهاً لتحديد أهدافه. لكن القضية الحقيقية ليست ما إذا كان يمكن إساءة استخدام المعلومات الحقيقية لأغراضٍ خبيثة، بل في غياب النقاش حول ما يعادل عملياً ضغطاً حكومياً لفرض الحظر.
إن السهولة التي أزالت بها وزارة العدل تطبيق ICEBlock من متجر التطبيقات تُثير القلق. فإذا كانت الحكومة الفيدرالية ضخمة وقوية لدرجة أن أعتى الشركات في العالم ترتعد خوفاً منها، فما هي فرص الأفراد العاديين عندما تُحرق نظرتها الغاضبة طريقنا؟ المشكلة الحقيقية التي نواجهها هي الكمّ الهائل من السلطة التي ركّزناها في الحكومة الفيدرالية عموماً، وفي الرئاسة خصوصاً. ومهما تحدثنا عن دور المحاكم كأداة لمراقبة السلطة التنفيذية، فالحقيقة المحزنة هي أن الكونجرس منح الرئيس سلطاتٍ واسعةً جداً بحيث يصعب ضبطها. فكلما منع القاضي الإدارة من استخدام ذراعٍ من أذرع السلطة، وجدت ذراعاً أخرى تشدّ بها (انظر إلى قضية جامعة هارفارد). ربما فات الأوان لتصور مؤسسة فيدرالية أصغر حجماً وذات صلاحيات أقل. لكن كما توضح الأحداث الجارية، إذا كان الأمر كذلك، فإن الضامن الحقيقي الوحيد هو البوصلة الأخلاقية لشاغل المكتب البيضاوي ومستشاريه.
*أستاذ القانون في جامعة يل
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشتن»


