في السنتين اللتين تلتا الهجوم المفاجئ الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، حدث تغيّران جوهريان في ميزان القوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
أولاً، من حيث القوة الصلبة (العسكرية)، برزت إسرائيل كطرف منتصر، حيث استطاعت إضعاف أعدائها في «محور المقاومة»، خاصةً «حماس» و«حزب الله» وسوريا وإيران، بشكل جذري.
ثانياً، ازدادت عزلة إسرائيل في المجتمع الدولي بسبب هجومها الوحشي على قطاع غزة، والعدد الكبير من الضحايا الفلسطينيين الأبرياء الذين قُتلوا في الحرب.
وقد بذلت إدارة الرئيس دونالد ترامب محاولات عدة للتوسط بغية إنهاء الصراع. لكن المقترحات الأميركية الأولية، التي طرحت فكرةَ إجلاء الفلسطينيين من غزة وإعادة بناء المنطقة لتصبح «ريفييرا» أو «سنغافورة جديدة» على البحر المتوسط، لم تؤخذ على محمل الجد. ومع ذلك، فإن جهود واشنطن الأخيرة، التي حظيت بدعم طيف واسع من الأصوات في العالم العربي وإسرائيل وأوروبا، تبدو أكثر جدية.وتتضمن خطة السلام 20 مقترحاً بمراحل وشروط متعددة. تشير بعض العناصر الجديدة في الخطة إلى تحول كبير في السياسة الأميركية، وهو تحول جدير بالتحليل الدقيق.
تتضمن الخطة لغة مألوفة حول إطلاق سراح الرهائن، وتبادل الأسرى، واستبعاد «حماس» من إدارة غزة بعد الحرب. الجديد هو إشارات محددة إلى أدوار الفلسطينيين، بمن فيهم السلطة الفلسطينية، في إعادة إعمار غزة وحكمها. كما تتضمن إشارةً إلى المسار المؤدي إلى تقرير المصير الفلسطيني، أو إقامة دولة فلسطينية في نهاية المطاف.
وبعد ضغوط شديدة من ترامب والدول العربية الرئيسية، وافقت كل من إسرائيل و«حماس» على الإطار العام للخطة، لكن كما هو الحال في المفاوضات المعقدة، فإن «الشيطان يكمن في التفاصيل».
يتعرض كل من بنيامين نتنياهو وقادة «حماس» لضغوط شديدة من مؤيديهم المتشددين لعدم تقديم تنازلات من شأنها أن تُضعف، وربما تُدمر، الدعم الذي يحتاجونه للبقاء.
تُدرك «حماس» أن قوتها التفاوضية تعتمد على استمرار احتجازها للرهائن؛ وأنه بمجرد إطلاق سراحهم واستبعادها من أي دور في حكم غزة، سيصبح مستقبلها تحت رحمة مجموعة قليلة من الحلفاء في المنطقة، والذين هم أنفسهم في وضع ضعيف.
أما نتنياهو، فعليه أن يُوازن بين الدعم السياسي الذي يحظى به من اليمين المتطرف الذي لا يزال يسعى لإعادة بناء المستوطنات في غزة، والذي لن يقبل أبداً بفكرة الدولة الفلسطينية، وبين رغبات الرئيس الأميركي المُلحة.
وقد أعلن ترامب صراحةً رغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام، وسيغضب بشدة إذا رفض نتنياهو الانصياع له.
من بين القضايا العديدة التي يتعين حلها، قد يكون من أصعبها تشكيل القيادة المقترحة للإشراف على إعادة إعمار غزة.
تشير خطة ترامب إلى تشكيل «مجلس سلام» يضمّ ترامب نفسه رئيساً، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وعدداً من القادة الدوليين الآخرين الذين لم يتم تحديدهم بعد، إضافة إلى تكنوقراط فلسطينيين غير سياسيين.
ومن بين العقبات الأخرى التي ستُعيق التوصل إلى اتفاق: آليات نزع سلاح «حماس»، وجدول انسحاب القوات الإسرائيلية وتنفيذه، وتشكيل قوة دولية لحفظ الاستقرار وقواعد الاشتباك الخاصة بها. أما الأصعب، فسيكون العمليات التي ستُسهّل المناقشات حول الدولة الفلسطينية المستقبلية.
وقد تستغرق الخطط لإنهاء الحرب وقتاً طويلاً وقد تفشل في النهاية. ومع ذلك، فالعناصر الأساسية في المقترح الحالي تُعد مكونات ضرورية لأي تسوية نهائية. وإذا تم تجاهلها، فإن اندلاع مزيد من العنف في المنطقة سيكون احتمالاً قوياً.
وفي نهاية المطاف، قد تستعيد إيران بعض قدراتها الهجومية، كما أن احتمال عقد صفقات تسليح كبيرة بينها وبين روسيا قد يُخّل بميزان القوى العسكري الحالي الذي يميل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. لذا فإن مخاطر خطة ترامب لا يمكن أن تكون أكبر من مزاياها الأمنية.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال إنترست» - واشنطن


