لقد حاول الأذكياء على مدى أجيال إيجاد حلول لهذه المشكلات، فعدّلوا نماذج الدفع، وبذلوا جهوداً حثيثة لتوسيع القوى العاملة في هذا القطاع.. لكن لم تفلح أيٌّ من هذه الحلول في معالجة أوجه القصور العميقة في النظام الصحي الأميركي.
 غير أن البلاد لديها اليوم سبب جديد للأمل، ألا وهو الذكاء الاصطناعي. هذه هي الفكرة الرئيسية في كتاب خبيرة المعلوماتية الصحية، شارلوت بليز، الصادر مؤخراً بعنوان «دكتور بوت: لماذا قد يخيّب الأطباء ظننا؟ وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي إنقاذ الأرواح؟».
لطالما تبنيتُ نظرةً إيجابيةً عموماً حول الكيفية التي يمكن أن يحسّن بها الذكاء الاصطناعي الرعايةَ الصحية. فاختصاصيو الجهاز الهضمي يستخدمونه بالفعل أثناء اختبار القولون بالمنظار لاكتشاف الزوائد اللحمية قبل السرطانية بشكل أدق. ويستخدمه أطباء الأشعة للكشف عن المزيد من سرطانات الثدي في صور الماموجرام. كما يمكن للخوارزميات المساعدة في تحديد المرضى المقيمين في المستشفيات، والأكثر عرضةً للتدهور الصحي، وقد أظهرت أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي قدرتَها على خفض معدلات الوفيات داخل المستشفيات.
لقد أُعجبتُ أيضاً بكيفية تخفيف الذكاء الاصطناعي لعبء التوثيق. يُمكن للأداة تسجيل الزيارات السريرية مع المرضى وإنشاء ملخص مُفصّل بعد ذلك، مما يسمح للأطباء بتركيز جهودهم بالكامل على الشخص الذي أمامهم. كما وجدت الدراسات أن الذكاء الاصطناعي لا يقل فعالية عن الأطباء في كتابة تعليمات الخروج، وهو بنفس كفاءة المترجمين المحترفين في توصيلها بلغات أخرى.
ويمتد تفاؤل «بليز» إلى ما هو أبعد من هذه التطبيقات العملية. وعلى الرغم من كوني أقل يقيناً منها بأن الذكاء الاصطناعي سيفي بكل وعوده، وأخشى أن يخلق مشكلات جديدة، فإن حججها جعلتني أعيد التفكير حول دوره في مجال الطب من ثلاث زوايا مهمة.
أولاها أنه عندما يحاول الباحثون قياس فعالية الذكاء الاصطناعي في السياقات السريرية، فإنهم غالباً ما يقارنون أداءه بأداء طبيب خبير يمكنه قضاء وقت غير محدود مع كل مريض. لكن الواقع مختلف تماماً.
قالت لي «بليز» في مقابلة: «نميل إلى المبالغة في الرومانسية بشأن ما يفعله الطبيب البشري في المواقف العصيبة»، لكن الواقع أن كلاً من الطبيب البشري والذكاء الاصطناعي له حدود ويرتكب أخطاء، غير أنه بالنسبة للكثيرين الذين لا يمكنهم الوصول إلى طبيب بسهولة، فإن روبوتاً طبياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي قد يكون أفضل من عدم تلقي أي رعاية على الإطلاق.وينطبق هذا على الولايات المتحدة، حيث يصعب غالباً الحصول على الرعاية الصحية. ويزداد الأمر وضوحاً في البلدان منخفضة الدخل التي تعاني من نقص حاد. قد يُقدم فحص الموجات فوق الصوتية قبل الولادة، المُفسّر بوساطة الذكاء الاصطناعي، فائدةً صافيةً -حتى في حال حدوث أخطاء- عندما يكون البديل هو عدم وجود رعاية قبل الولادة. وبالمثل، يُمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي، القادرة على تحليل عينات الدم لاكتشاف الملاريا، أن تُوسّع نطاق التشخيص المُنقِذ للحياة في جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية. وبهذه الطريقة، يُمكن للذكاء الاصطناعي توسيع نطاق الوصول بشكل كبير، على الرغم من أنه سيُنشئ نظاماً مُتدرّجاً: فالأُسر محدودة الدخل ستحصل على الذكاء الاصطناعي فقط، بينما سيُخصص المعيار الذهبي الجديد، أي الطبيب بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي، لمن يملكون القدرة على الدفع.
أما الزاوية الثانية فهي أن صعود الذكاء الاصطناعي سيتطلب إعادة النظر في القوى العاملة الصحية نفسها، حيث ستكون هناك حاجة إلى مهارات جديدة، وربما أنواع جديدة من الأطباء. وعلى الرغم من أن بعض كليات الطب تقدم مقررات اختيارية في الذكاء الاصطناعي، فإن الكفاءة في استخدام هذه الأدوات ليست مدرجة في قائمة متطلبات مهنة الطب. وهذا الإغفال صادم في وقت يلجأ فيه المرضى بشكل متزايد إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة الطبية. وكما تقول بليز فإنه «يجب على المجتمع الطبي أن يتولى القيادة هنا. علينا التوقف عن دفن رؤوسنا وسماعاتنا الطبية في الرمال». وإذا لم يقُد الأطباء هذا النقاش الآن، فإنهم يخاطرون بأن يصبحوا على الهامش قريباً. وتؤكد بليز أن أفضل شراكة بين الإنسان والآلة قد لا تكون بين الذكاء الاصطناعي وطبيب قضى أكثر من 12 عاماً في التدريب، بل بينه وبين شخص يملك التدريب المناسب، والتواضع، والانفتاح على أساليب جديدة للعمل.
وربما يكون الممرض المجهز بتدريب على الذكاء الاصطناعي وبأحدث أدوات التشخيص قادراً على تقديم رعاية أفضل من طبيب متمسك بالممارسات القديمة.
ومن الزاوية الثالثة والأخيرة، فإن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي يجعل من الضروري مناقشة هذه القضايا المجتمعية الواسعة الآن. نعم، يمكن للتكنولوجيا توسيع الوصول للخدمات الطبية، لكن هل نحن مرتاحون لاستبدال العنصر الإنساني في الرعاية؟ نعم، يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين اكتشاف الأمراض، ولكن ما الفائدة إذا كان المرضى لا يستطيعون تحمّل تكاليف العلاج؟ تتساءل بليز: «ما الفائدة من ثورة طبية إذا كنا لا نعرف ما الهدف منها؟».
هذه ليست مخاوف نظرية، فالذكاء الاصطناعي يحمل وعوداً حقيقية بمعالجة أكثر مشكلات الرعاية الصحية تجذراً، لكن يجب توجيه فوائده نحو المرضى، لا نحو شركات التكنولوجيا. وسيكون من المأساوي أن تتحول ثورة قادرة على دمقرطة الرعاية الصحية إلى أداة تعمّق التفاوتات وتمنح المرضى سبباً آخر لفقدان الثقة بالنظام.

*كاتبة وطبيبة طوارئ وأستاذة مشاركة في جامعة جورج واشنطن


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»