«يوم عظيم للشرق الأوسط»، بهذه العبارة وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوقيعَ على وثيقة إنهاء الحرب في غزة خلال «قمة السلام»، الاثنين الماضي في مدينة شرم الشيخ المصرية، حيث وقّع على الوثيقة، إلى جانبه، كلٌّ مِن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحضور 31 من قادة وممثلي الدول والمنظمات دولية، فيما وُصفت الوثيقة بأنها رؤية شاملة للسلام في الشرق الأوسط. ورحّبت الوثيقة بإقامة ترتيبات سلام شاملة ومستدامة في غزة، وقال ترامب إن «الوثيقة ستتضمن القواعد والترتيبات والعديد من التفاصيل الأخرى»، مؤكداً مرتين: «سيصمد هذا الاتفاق».

ورغم بهجة الاحتفالات التي رافقت التوقيع على وثيقة السلام والإشادات التي حظي بها الرئيس الأميركي لدوره في وقف إطلاق النار في غزة، وتنسيق عملية تبادل الرهائن الإسرائيليين بالأسرى الفلسطينيين، وما قال عنه ترامب إنه «ترسيخ سلام دائم في الشرق الأوسط»، فإن ما حدث ليس إلا خطوةً أولى ضمن خطة أشمل. ومع أن هذه الخطوة تمثل اختراقاً مهماً في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة، فإن الطريق نحو تسوية دائمة لا يزال مليئاً بالعقبات، فخطة السلام المكونة من عشرين نقطة، يكتنفها الكثير من الغموض، وبحاجة إلى حسم العديد من القضايا الجوهرية، إذ يتفق المراقبون على أن البنود التالية من الاتفاق أكثر تعقيداً، وأن التنفيذ الفعلي للخطط يتطلب توفر الضمانات الدولية أولاً لإنجاح وقف إطلاق النار الدائم بين الطرفين، والأهم من هذا هو القضايا الخلافية المستمرة مثل مسألة نزع سلاح «حماس»، إذ لا توجد معايير محددة لكيفية نزع السلاح، أو أي إطار زمني لذلك. وحتى لو قبلت قيادة «حماس» بنزع سلاحها، فمن المرجح أن يرفض العديدُ من مقاتليها تسليم أسلحتهم، وقد ينشقون إلى جماعات أكثر تشدداً.

وواقعياً، فإن نزع سلاح حركة حماس لا يعني انتهاء أيديولوجية الحركة، فهي جماعة سياسية ذات أيديولوجيا عسكرية مناهضة للاحتلال الإسرائيلي، وربما يستمر وجودها كقوة سياسية حتى بعد نزع سلاحها. ويخشى قادة «حماس» من أن إسرائيل لا تعتزم فعلياً إنهاءَ العمليات العسكرية بمجرد الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين المتبقين، إذ قد يلجأ نتنياهو، وبضغط من حكومته اليمينية، إلى استئناف الحرب على «حماس» بمجرد إطلاق سراح الرهائن. من دون الضمانات الدولية ستخسر «حماس» بعد تحريرها للرهائن ورقةً تفاوضية أساسيةً في أي محادثات مستقبليةً حول مصير غزة.

وكذلك مسألة قوة الاستقرار الدولية المقترحة والانسحاب الإسرائيلي التام من قطاع غزة. فوفقاً لاتفاقية السلام، ما أن يتم البدء بإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين الباقين على قيد الحياة حتى تنسحب القوات الإسرائيلية جزئياً إلى خط حدودي داخل غزة، وبمجرد نشر «قوة استقرار دولية» سينسحب الجيش الإسرائيلي إلى المنطقة العازلة بين إسرائيل وغزة، ولكن حتى الآن لم يتم تحديد إطار زمني لتنفيذ شروط خطة الانسحاب، ولم تتضح كذلك ملامح قوة الاستقرار الدولية المقترحة، فمن الدول التي ستشارك في هذه القوة؟ وكم سيكون عدد أفرادها؟ ومَن ستكون له السلطة الشاملة على هذه القوات؟

وهل ستنسق مع الجيش الإسرائيلي؟ كما أن تشكيل هذه القوة فعلياً قد سيستغرق عدة أشهر قبل أن تصبح جاهزةً للانتشار. إن التوقيع على «وثيقة السلام» وبدء تنفيذ المرحلة الأولى من خطة وقف إطلاق النار في غزة، يعد خطوة مهمة، إلا أنه مِن السابق لأوانه الحديث عن سلام دائم في ظل المسائل الخلافية الجوهرية، والتخوف المستمر من أن تتحول خطة السلام الدائم إلى خطة لوقف نار مؤقت.

*كاتبة إماراتية