ربما تثير مقالاتنا هذه حول علم السياسة في دولة الإمارات نقاشاً من حيث كونها علمية متعمقة، تجعل القارئ لها يتساءل حول الأهداف التي كتبت من أجلها، وهي لأغراض خدمة علم السياسة في الدولة من زاوية إنسانية تثقيفية، وأعدت وفقاً لمنهج علمي ملتزم بالمدرسة السلوكية.
وعليه، فإن حقيقة ما وصل إليه المتخصصون الرواد في علم السياسة من حملة الدكتوراة في دولة الإمارات اليوم من غزارة علمية وثقافية، هي جوهر ما يؤديه العقل البشري في دولة الإمارات من جهود علمية، هي في تزايد مستمر تضيف إلى تراث الإنسانية الحضارية.
لذلك، فما كان للمواطنين في دولة الإمارات أن يتقدموا في جميع المجالات، ومنها علم السياسة، لولا الجهود الخيرة التي بذلها علماء السياسة في الإمارات من خلال تبوئهم لمراكزهم التعليمية الجامعية ونشرهم لبحوثهم العلمية ومقالاتهم التثقيفية خلال تاريخهم الحديث، وهي جهود مستمرة إلى يومنا هذا.
وفي الواقع فإن علم السياسة في الإمارات، يسهم بقدر كبير في عملية التنوير لساكني هذه الأرض الخيرة، والكثيرون منهم يعيشون في ظل أفكار حديثة أسهم المتخصصون الرواد في علم السياسة في غرسها فيهم، وهم مواصلون ومستمرون في ذلك.
وربما لا نبالغ في شيء إذا ذكرنا بأن ما غرسه علماء السياسة في الإمارات في نفوس وعقول العديد من تلامذتهم ومريديهم جعل الكثيرين من أهل هذه البلاد بعيدين في نظرتهم الواقعية والمستقبلية إلى الأمور عن نظرة الأقوام الآخرين التي لا تفكر في شيء أبعد من كيفية توفير لقمة عيشها اليومية وكيف تدخر بعض فتات تسد به جوع الغد.
نحن لا ننتقد الأمم التي تدخر من غذاء اليوم لقوت الغد، فهذا ينطوي على قدر من الحكمة المرتبطة بالحذر من غائلات الزمن، وعلى قدر من القناعة، لكن ما نرمي إليه هو أن علم السياسة في الإمارات والعلماء المشتغلين به وفيه، يعملون على تغيير طريقة التفكير إلى ما هو أبعد من ذلك وأعمق.
علم السياسة وعلماؤه في الإمارات أسهم في إيصال المعرفة إلى البشر، وبالمعرفة تتطور جميع الأمور إلى الأفضل دائماً. وهُنا يتبادر إلى الذهن تساؤل: ما هي المعرفة، وما معناها، وما هي علاقتها بوجود الإنسان ذاته؟ فإذا ما تم التمعن في المصطلح، فإن المعرفة، هي مجموع ما يعلمه البشر حول أمور الكون خلال تواجدهم فيه.
لكن وجود الإنسان يتجاوز مجموعة من القضايا الماثلة أمام من يعملون بشكل جاد وحثيث على معرفتها والكشف عن أسرارها، لأن البشر هم جزء من الوجود وعقولهم لا تقتنع أو تكتفي بالمظهر المادي والوصف المجرد، كما هو في منهج المدرسة التقليدية للموجودات، بل يقومون بالبحث الدقيق عن منبتها وأصله وحقيقتها، ويستدلون من نظامها الدقيق على حقيقة كل ما يتواجد في الكون.
وبهذا، فالبشر لا يقتنعون بالمعرفة الحسيّة للوجود، بل يحاولون أن يتعقلوها، أي بالبحث عن أدق تفاصيلها بالمعرفة العقلية، أي عن طريق تحليل الأمور باستخدام عقولهم.
إن هذا هو ما يقوم به علم السياسة في الإمارات ، فهو لا يدرس المظاهر الخارجية فقط لقضايا الدولة والمجتمع والوطن والمواطنين، بل يعمل على التعرف على وجود البشر كذوات تفكر وتتعقل وتطلع إلى معاني الحق والخير والجمال والكمال. وللحديث صلة.
*كاتب إماراتي


