غالباً ما يتذمر مناصرو الطاقة النووية في الولايات المتحدة من أن موطن المفاعلات لم يعد قادراً على بنائها كما تفعل الصين.
لكن «الشراكة» الحكومية الأميركية البالغة قيمتها 80 مليار دولار مع شركة ويستينجهاوس إلكتريك تشير إلى أن شكاواهم قد لاقت آذاناً صاغية. فالولايات المتحدة تمارس الآن سياسة نووية بطابع صيني - وبتمويل ياباني على ما يبدو. أعلنت «ويستينجهاوس»، المملوكة لشركتي «بروكفيلد» لإدارة الأصول و«كاميكو كورب»، صفقة غير معتادة، إذ تعتزم الحكومة الأميركية تمويل بناء مفاعلات نووية بقيمة لا تقل عن 80 مليار دولار. إلى جانب ذلك، تسعى الخطة إلى تحقيق هدف الرئيس دونالد ترامب ببدء بناء 10 محطات نووية جديدة بحلول عام 2030.
وهناك حافز إضافي: إذا التزمت الحكومة بالاتفاق، فستحصل على حصة 20% من أي أرباح توزعها «ويستينجهاوس» تتجاوز 17.5 مليار دولار. وإذا نجحت الولايات المتحدة في تنفيذ هذا المشروع خلال السنوات الثلاث المقبلة، وبلغت قيمة الشركة في ذلك الوقت 30 مليار دولار على الأقل، فقد تُجبر الشركة على طرح أسهمها للاكتتاب العام، مع حصول الحكومة على ضمانات قد تتحول إلى حصة في رأس المال.
وأخيراً، يُقال إن اليابان هي التي توفر التمويل كجزء من حزمة استثمارية بقيمة 550 مليار دولار تم الاتفاق عليها لتسوية الخلافات التجارية مع ترامب. كل هذا يعكس تماماً الحالة الراهنة لقطاع الطاقة النووية في الولايات المتحدة. يبقى دور اليابان غامضاً، إذ إنه من غير الواضح ما الذي ستحصل عليه مقابل ذلك؛ نظراً لاختلاف تفسير طبيعة «التمويل» البالغ 550 مليار دولار بين واشنطن وطوكيو. ومن المرجح أن جزءاً كبيراً من مبلغ الـ 80 مليار دولار سيعود إلى الشركات الصناعية اليابانية الموردة للمكونات. أما دور الولايات المتحدة، فهو أقل غموضاً، ويتمثل في تحمّل المخاطر مقدماً. فحتى الآن، لا يوجد عملاء للكهرباء المنتجة ولا مواقع محددة لبناء هذه المفاعلات.
إن تحديد المشروع بالدولارات لا بالميجاواط يعكس حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن التكلفة الفعلية لبناء مفاعلات تجارية في الولايات المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أن بروكفيلد استحوذت على ويستينجهاوس بعد إعلان إفلاسها، الذي نتج جزئياً عن تجاوزات ضخمة في التكلفة وتأخيرات في مشروعين نوويين. ترغب الحكومة الأميركية على الأرجح في نقل المخاطر لاحقاً إلى مطوري محطات الطاقة، أو الشركات متعددة المحطات، أو صناديق البنية التحتية مثل تلك التي تديرها بروكفيلد.
إن تاريخ الطاقة النووية في الولايات المتحدة يجعلها خياراً استثمارياً محفوفاً بالمخاطر. ففترات التنفيذ الطويلة، واحتمالات التأخير وتجاوز التكاليف، تعني تحمّل أعباء مالية ضخمة لسنوات قبل إنتاج أي كهرباء، وخلال هذه الفترة قد تتغير أسعار الطاقة وتوقعات السوق جذرياً. قد تُتيح طفرة الذكاء الاصطناعي أفضل فرصة للتغلب على هذه العقبات. إذ تسعى شركات التكنولوجيا العملاقة إلى مصادر كهرباء مستقرة وخالية من الانبعاثات، وتمتلك التمويل الكافي لذلك. لكنها ركزت حتى الآن على إعادة تشغيل المحطات القديمة بدلاً من بناء جديدة. على سبيل المثال، وقّعت شركة ألفابت مؤخراً عقداً لشراء الكهرباء من محطة في ولاية أيوا ستُعيد شركة «نيكس إرا إنيرجي» تشغيلها، بينما تفكر شركة «بروكفيلد» في استئناف بناء مفاعلين مهجورين في ساوث كارولينا - وهما المشروعان اللذان تسببا سابقا في الإطاحة بشركة «ويستينجهاوس».
لكن حتى الآن، تظل الجهود الفعلية قادمة من واشنطن وليس وادي السيليكون. وكما قال «كيفن بوك»، من شركة «كليرفيو إنرجي بارتنرز»: «كنا نفترض أن شركة ضخمة ذات ميزانيات ضخمة ستفعل ذلك. لكن هناك شركة أخرى ذات ميزانيات أكبر». وفي الواقع، لم يكن دعم الحكومة للطاقة النووية أمراً جديداً - سواء من خلال التمويل منخفض التكلفة أو التسهيلات التنظيمية أو تحميل التكاليف للمستهلكين. ويستند بناء المفاعلات النووية المتسارع في الصين على هذه الأسس.
وفي هذه النسخة الأميركية، وتحديداً النسخة الترامبية، هناك أيضاً مفهوم تحقيق أرباح طائلة. ومع تحفيز الحكومة لتحقيق «نجاح سياسي واقتصادي»، واستعداد البنوك لقيادة الاكتتاب العام، فمن المتوقع أن تصل تقييمات «ويستينجهاوس» إلى مستويات مرتفعة للغاية. يبقى السؤال: هل ستكون هذه صفقة استثمارية ناجحة؟ تعتمد الإجابة عن ما إذا كانت المفاعلات النووية أداة اقتصادية تجارية أم ركيزة للأمن القومي. فإعادة بناء سلسلة التوريد النووية الأميركية تُعد هدفاً استراتيجياً، وهناك زخم قوي يمكن للحكومة استغلاله.
ومن اللافت أن شركة «فيرمي إنك» - وهي شركة ناشئة في مجال الطاقة لمراكز البيانات أسسها «ريك بيري»، أحد حلفاء ترامب - أعلنت هذا الأسبوع صفقات لبناء أربعة مفاعلات ويستينجهاوس من طراز AP1000.
لكن، كما في مساعي ترامب الأخيرة لملكية المعادن الاستراتيجية، هناك مخاطر لخلق أبطال وطنيين فعليين. فبينما رفعت صفقة ويستينجهاوس المعنويات في السوق النووية، فإنها سحبت الأضواء من الشركات الصغيرة المطوّرة للمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs)، والتي لم تحصل بعد على تراخيص تجارية. ولكن ربما تكون هذه هي الطريقة الخاطئة للنظر إلى الأمر في هذا العالم الجديد. إذا كان العم سام يتجه نحو الطاقة النووية، فلماذا الاكتفاء بشركة واحدة فقط؟
* كاتب متخصص في شؤون الطاقة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسنج آند سينديكيشن»


