هناك غائب كبير عن مدينة بيليم البرازيلية التي تستضيف «كوب30»، القمة السنوية الكبرى لقادة العالم المجتمعين من أجل كوكب الأرض وبحث سُبل الحد من تغير المناخ المتواصل. إنّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتشكك في تغير المناخ، والذي يعتقد أنه لا ينبغي الانشغال بهذه القضايا. والواقع أن الصين أيضاً كانت لفترة طويلة من المشككين في تغير المناخ في وقت كان تركيزها منصباً على التنمية الاقتصادية من أجل انتشال الجزء الأكبر من مواطنيها من براثن الفقر.
غير أن الهواء في بكين ومعظم المدن الصينية الكبرى كان ملوثاً لدرجة خطيرة، والقادة الصينيون سرعان ما أدركوا هذه الحقيقة بسبب استياء السكان وتأثير التلوث على الصحة العامة. كما أدركت بكين أن الاقتصاد الأخضر لا يخلو من فرص اقتصادية. وهكذا، وقّعت الصين اتفاقية باريس للمناخ في عام 2015. ومنذ ذلك الحين، دأبت بكين على لعب دور رئيسي في مكافحة تغير المناخ بما يراعي مصالحها، لتتحول إلى منتج للطاقة الخضراء قادر على تغيير مشهد الطاقة العالمي.
فاليوم، باتت الطاقة الشمسية التي تنتجها الصين تناهز 887 جيجاواط، أي ما يعادل الطاقة الإنتاجية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، والعام الماضي، أنتجت الصين 1826 تيراواط ساعة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وهي الآن في طريقها لتصبح نوعاً جديداً من القوى العظمى، ليست عسكرية ولا اقتصادية، وإنما قوة عظمى قادرة على أن تمدّ بقية العالم بالوسائل التي تتيح لها إنتاج طاقة نظيفة ورخيصة في الوقت نفسه. والواقع أنه لطالما كان هناك تضارب بين المصالح الاقتصادية ومصالح حماية البيئة، كما أن حماية البيئة كانت مُكلّفة جداً. فاعتبرنا احترام البيئة أمراً ثانوياً وأولينا الأولوية للتنمية الاقتصادية، في تجسيد عملي للصراع بين مقولتي «دفع الفواتير الآن» و«منع انهيار المناخ لاحقاً».
غير أنّه إذا كانت معظم البلدان تواجه صعوبات في جعل اقتصاداتها نظيفة وخالية من الكربون، فذلك لأنّها لا تملك الموارد اللازمة لذلك، ولأنّه من الصعب جمع الأموال لمساعدة بلدان الجنوب على تحقيق هذا الهدف.
وبالمقابل، باتت الصين الآن قادرة على توفير الوسائل لإنتاج طاقة نظيفة ورخيصة، أرخص من الغاز الطبيعي أو الفحم، وهو ما قد يشكّل نقطة تحول في مكافحة تغير المناخ. فاليوم، باتت الصين قادرة على إنتاج طاقة متجددة تعادل ما يمكن أن تنتجه 300 محطة نووية.
وكلما زادت مبيعاتها إلى الخارج، انخفضت تكاليف إنتاجها، لتدخل بذلك في ما يمكن تسميته بالدوامة الإيجابية التي تتيح لها الوسائل اللازمة لفرض نفسها في السوق الدولية. أما فيما يتعلق بالتزاماتها في إطار اتفاقية باريس، فإن الصين ضاعفت أهدافها في مجال إنتاج الطاقة المتجددة، ويمكن أن تشرع في تقليص بصمتها الكربونية بعد عام 2035. غير أن الصين، بالمقابل، ما زالت تعتمد على الفحم، وذلك لأن طاقة الرياح، والطاقة المتجددة بشكل عام، لا تعوّض الفحم وإنما تكمّله. وهكذا، تختلف تتميز الصين عن الولايات المتحدة التي لا تؤمن مطلقاً بالطاقة المتجددة. ذلك أن الإدارة الأميركية بقيادة ترامب تناصب الطاقة المتجددة العداء وتفضل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما تختلف الصين عن أوروبا حيث أصبح التحول إلى الطاقة المتجددة موضع تساؤل متزايد، ولا سيما بين الناخبين والسكان الذين يعتبرون أن تكلفة الطاقة المتجددة باهظة مقارنة بأهداف الحد من الاحتباس الحراري. هذا الوضع يزيد من خطر الاعتماد على الصين التي ستفرض نفسها على سوق الطاقة المتجددة في العالم. غير أن الجانب الإيجابي في الأمر هو أنه بمجرد حيازة المعدات، فإن السيطرة عليها لا تبقى لمن باعها. ذلك أن الأمر هنا لا يشبه بعض المعاملات التجارية، إذ متى توفرت معدات إنتاج الطاقة المتجددة، فإنها تصبح ملكاً لمن اشتراها.
وخلاصة القول إن الصين قد تفرض نفسها كمورد للطاقة النظيفة والرخيصة بالنسبة لدول «الجنوب العالمي»، وهو ما قد ينطوي على عواقب جيوسياسية بالغة الأهمية، لأن حتى أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم معنيين بمكافحة تغير المناخ مهتمون بإنتاج طاقة رخيصة. ولذلك فإن هذا القطاع الجديد من التنمية السياسية والاقتصادية، ولكن أيضاً الجيوسياسية بالنسبة للصين، قد يعزّز موقعها في سباقها مع الولايات المتحدة.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.


