لطالما تمتعت الهند وبوتان بعلاقات جيدة ومستقرة. وقد عززت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هذا الأسبوع إلى بوتان هذه الشراكة، لا سيما التعاون في مجال الطاقة، والذي لا يزال أحد مجالات التعاون الحيوية والمتنامية.
وقد زار مودي بوتان لحضور احتفالات عيد ميلاد الملك الرابع للبلاد، والد الملك الحالي، الذي تنازل عن العرش لابنه «جيجمي وانجتشوك». وقد وصف مودي حياة الملك الرابع بأنها مزيج من الحكمة والبساطة والشجاعة وخدمة الوطن بإيثار. وأشاد بالدور الحيوي الذي لعبه في تعزيز الصداقة بين الهند وبوتان.
ورغم الجانب الرمزي الكبير للزيارة، فإن أهميتها الحقيقية تكمن في تعزيز الروابط مع بوتان، الدولة العازلة بين الهند والصين. وتأتي جهود تعميق روابط الطاقة في الوقت الذي عززت فيه بوتان روابطها مع الصين التي تسعى معها إلى إقامة علاقات دبلوماسية. وأكدت زيارةُ رئيس الوزراء الهندي التي استمرت يومين المكانةَ الخاصة التي تتمتع بها بوتان لدى الهند، وسلّطت الضوءَ على هذه المكانة الخاصة والروابط العميقة وسط العديد من الإعلانات في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والاتصال.
وخلال الزيارة، التقى رئيسُ الوزراء مودي بالملك «جيجمي وانجتشوك» ورئيس وزراء بوتان «داشو تشيرينج توبجاي». وصرّح متحدثٌ باسم الحكومة بأن المناقشات بين الزعيمين تناولت مجالات رئيسة للتعاون الثنائي والقضايا الإقليمية والعالمية ذات الاهتمام المشترك.
وتأسست العلاقات الدبلوماسية بين الهند وبوتان عام 1968، ومنذ ذلك الحين، يتم تبادلٌ منتظمٌ للزيارات رفيعة المستوى، مع تخطيط مودي لزيارة واحدة على الأقل كل عام. وقد أعلن خلال زيارته هذا الأسبوع عن خط ائتماني بقيمة 455 مليون دولار، وافتتح مشروعاً جديداً للطاقة الكهرومائية بقدرة 1.020 ميجاواط. وقد دعمت الهندُ هذا المشروع بمنحة بنسبة 30% وترتيب قرض بنسبة 70%. يعزز المشروعُ بشكل كبير قدرةَ بوتان على توليد الطاقة الكهربائية بنسبة بنحو 40%، ويعزز الأمن الإقليمي للطاقة.
ولا تزال الطاقةُ الكهرومائيةُ العمودَ الفقري الاقتصادي للعلاقات بين الهند وبوتان، حيث تساهم وتلعب دوراً فعالا في جعل المملكة دولةً خاليةً مِن الكربون. كما وقّع البلدان مذكرةَ تفاهم حول التعاون في مجال الطاقة المتجددة، وتشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحيوية والهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة. وقد وُضعت أسسُ شراكة الطاقة الكهرومائية بين البلدين، خلال فترة حكم الملك الرابع لبوتان في سبعينيات القرن الماضي، والتي نمت بسرعة منذ ذلك الحين. كما برزت مسألة الربط بين البلدين باعتبارها مجالاً مهماً للتعاون. ويعمل الطرفان على إنشاء أولى خطوط السكك الحديدية العابرة للحدود. ففي سبتمبر من هذا العام، وقّعا اتفاقاً لإنشاء خطين: الأول من «كوكراجهار» في ولاية «آسام» الهندية إلى «جيليفو» في بوتان، والثاني من «بانارهات» في ولاية البنغال الغربية إلى «سامتسي» في بوتان. ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة ممر كوكراجهار-جيليفو نحو 35 مليار روبية، وسيشمل ست محطات جديدة و29 جسراً طويلاً، و65 جسراً صغيراً للتعامل مع تضاريس الهيمالايا. وستوفر هذه الخطوط وصولاً لبوتان إلى شبكة السكك الحديدية الهندية، ما سيخفض تكاليف النقل ويفتح آفاقاً اقتصادية جديدة.
وقد تم إنشاء لجنة توجيهية للمشاريع للإشراف على تنفيذ ممري السكك الحديدية، وضمان تنفيذ هذه المبادرة الحيوية المتعلقة بالبنية التحتية. كما تساعد الهند بوتان في إنشاء «مدينة جيليفو للصفاء الذهني». وستغطي المدينة 2600 كيلومتر مربع، وتُخطّط لتكون مركزاً للابتكار والاستدامة والرفاه، مع التركيز على ثمانية قطاعات بما فيها الطاقة الخضراء والتكنولوجيا المالية والتعليم والسياحة. ولتحسين الربط أكثر، أعلن رئيس الوزراء الهندي تأسيسَ نقطة تفتيش للهجرة في هاتيسار بآسام لتسهيل حركة المستثمرين والزوار إلى المدينة الجديدة. ويأتي ذلك كجزء من مشاريع متعددة للربط بين الجانبين.
وجدد مودي تأكيدَ دعم الهند الثابت لخطة بوتان الخمسية الثالثة عشرة، بما في ذلك برنامج التحفيز الاقتصادي، مؤكداً التزامَ الهند بدعم بوتان لتحقيق أولوياتها التنموية، وتعزيز النمو المستدام عبر القطاعات. وكشف أيضاً أن الجانبين يعملان على محطة للممرات المائية الداخلية ومجمّع لوجستي متعدد الوسائط في «جوجيجوبا».
وأعربت الحكومة البوتانية رسمياً عن تقديرها لمساعدة الهند في تنفيذ الخطة الخمسية ومختلف المشاريع الدائرة في بوتان، ودورها في تنمية البلاد.
وتعد الهند الشريك التجاري الأول لبوتان، سواء مصدرة للواردات أو وجهة للصادرات. وقد تضاعفت التجارة السلعية بين البلدين من 484 مليون دولار في 2014 إلى 1.606 مليار دولار في 2022، أي نحو 73% من تجارة بوتان الإجمالية. ولا شك في أن العلاقات بين الجانبين ستنمو أكثر مع زيادة الربط والتعاون في الطاقة، وهو ما يعود بالنفع على شعبي البلدين.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي


