في السودان ثنائية خطيرة بين العسكر و«الإخوان»، شعب يعاني منذ عقود جراء هذه الثنائية الخطيرة التي تتواصل من دون انتقال إلى نوع النظام المدني المقبل، وهو الهدف الرئيس للحراك الشعبي الذي أسقط نظام البشير، وهو حراك امتد لأشهر، والذي ذهبت نتائجه إلى الثنائية ذاتها من جديد، وهو ما لا يستحقه الشعب السوداني الذي صبر على حكم النظام السابق حتى أسقطه ليواجه غيره بالمواصفات ذاتها التي تختلط فيها الأيديولوجية «الإخوانية» الإقصائية بالهيمنة العسكرية، أملاً في الاستمرار بالسُلطة على حساب مستقبل الشعب السوداني.

لا يدرك هذه الحقيقة إلا بريطانيا الدولة التي استعمرت السودان، وهي الوحيدة المدركة للحاجة الفعلية لهذا الشعب، وذلك من واقع التجربة النضالية التي خاضها السودانيون ضد الاستعمار البريطاني، حتى نال السودان استقلاله بجدارة العزة والكرامة. وقد عبرت بريطانيا في رد فعلها على الأحداث هناك، وعلى لسان وزير خارجيتها، إن الشعب السوداني طالب بتغيير حقيقي ووجود مجلس عسكري لمدة عامين ليس هو الإجابة، ونحتاج إلى أن نرى تحركاً سريعاً نحو قيادة مدنية ممثلة للشعب.

ولكن بعد الاستقلال أدركت بريطانيا من دون الدول الأخرى، بأن ذلك الوضع قد تغير، وقد عانى السودان قرابة ثلاثة عقود من المقاطعة والضغوط الدولية فلم يفت ذلك في عضده. لقد جرب السودان كل أنواع الأنظمة الحاكمة منذ استقلاله، فقد آن الأوان لخوض تجربة حكم مدنية خالصة من دون الهيمنة «الإخوانية»، مع عودة العسكريين إلى مكانهم الدفاعي وليس السياسي. كان المأخذ الأكبر على نظام حكم عمر البشير، قبوله بتقسيم السودان إلى شمال وجنوب ونأمل من المجلس الانتقالي الحاكم خلال الفترة المقبلة عدم تقسيم السودان للمرة الثانية وأعني بذلك إقليم دارفور، خاصة أن بعض سيناريوهات تتحدث عن «دولة دارفور»، وبدأت تأخذ زخماً في السياسة الدولية.

ولكن الأمر الأكثر أهمية في أي مرحلة انتقالية مرتقبة، هو السعي الجاد والحثيث لعدم تحويل هذا التغيير إلى نسخة كربونية للفوضى العارمة التي مرت بها بعض الدول العربية التي لم تتحسن أوضاعها بعد. ينبغي التركيز على حفظ أمن الإنسان والوطن مهما كانت مطالب الأحزاب ملحة في سرعة القفز إلى الحكم المدني، فالمطالب يمكن تحقيقها خطوة تلو الأخرى، أو حتى تأجيلها.. أما الأمن والاستقرار إذا انسلا من بين أروقة المجتمع، فإن إنفاق المليارات لا تعيدهما إلى سابق عهدهما، وأمثلة «الربيع الأصفر» شاهدة على إهدارهما بلا ثمن عبر ارتهان الأوطان لرياح السموم. فأهم وسيلة للحفاظ على مسار جديد لإنقاذ السودان تكمن في إقرار دستور يقي الوطن والشعب شرور الزمان والمكان وكذلك ذات الإنسان، ويجعل السودان بعيداً عن الأيديولوجية «الإخوانية» التي تفكك الأوطان، وتبدد ثروات الشعوب.. والاستهانة بالدساتير، كما يحصل في بعض البلدان، تورد المهالك، لأنها تفتح أبواباً لا تغلق على استغلال السلطة المطلقة. نود للسودان أن يثبت بأنه «غير» عن تلك الدول التي لا زالت تبحث لها عن بر الأمن والأمان والاستقرار المستدام.

التحديات أمام السودان كبيرة، وكنا نتمنى على ثنائية العسكر و«الإخوان» ألا تلج أسلحتهم في دماء الشعب الذي حافظ في حراكه على السلم الاجتماعي، بالرغم من سقوط بعض الأبرياء أثناء هذا الحراك البعيد عن العنف والعنف المضاد. فكل دعاة السلام يدعون طرفي الصراع إلى التوقف الفوري عن الاقتتال العبثي، والنظر إلى مطالب الشعب السوداني الأبي، بعين الوعي والإدراك والتفكير في واقع الحال لتجنب الاستمرار في هذا الاحتراب!

*كاتب إماراتي