على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي يسجلها الاقتصاد المصري، تبرز مؤشرات أخرى يمكن أن تنعكس على مسيرته. ففي الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية 2025–2026 (يوليو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر) ازداد عجزُ الموازنة مسجلاً 3.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، مقارنةً ب2.6 في المئة خلال الفترة ذاتها من السنة المالية السابقة، وذلك نتيجة ارتفاع المصروفات بنسبة 37 في المئة على أساس سنوي إلى 1.5 تريليون جنيه. ولعلّ أهمها فوائد الديون التي ارتفعت بنسبة 54 في المئة لتصل 899.11 مليار جنيه (18.95 مليار دولار) متجاوزةً إجمالي الإيرادات بنحو 104 في المئة، بعد تسجيل الديون الخارجية أكثر من 156 مليار دولار، لتشكل العبء الأكبر على الاقتصاد المصري.
 وبسبب هذه الديون، تواجه مصرُ تحدياتٍ ماليةً، لكنها تُظهر التزاماً قوياً بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وسداد التزاماتها، مع استمرارها في جذب الاستثمارات، حرصاً على تحقيق استقرار اقتصادي مستدام يدعم النمو ويعزز ثقة الأسواق الدولية فيها. وفي هذا السياق يتوقع أن تصل المطلوبات في الربع الأول من العام المقبل إلى 23.8 مليار دولار، منها 13.6 مليار قروض. وقد تمت جدولة سداد الديون الخارجية على الشكل التالي: 21.3 مليار دولار في موازنة السنة المالية 2025–2026، و19.7 مليار دولار في موازنة السنة المالية 2026–2027، ونحو 18.3 مليار دولار في موازنة السنة المالية 2027–2028، وأخيراً 9.5 مليار دولار في موازنة السنة المالية 2028-2029.
وتبقى مشكلة التضخم على قائمة المؤشرات السلبية، حيث تشير التوقعات إلى أن متوسطه سيرتفع إلى13 في المئة (وفق بيانات كابيتال إيكونوميكس) على أساس سنوي، بينما يتوقع محللون أن يشهد صعوداً إلى 14 في المئة، مع ظهور تأثير زيادة أسعار الوقود، إضافة إلى احتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة على أسعار السجائر.
 أما بالنسبة للمؤشرات الإيجابية فهي عديدة، وتبدأ بمعدل النمو الذي سجله الاقتصادُ المصري خلال الربع الأول من السنة المالية الحالية، وقد بلغ 5.6 في المئة، وهو أعلى وتيرة نمو منذ أكثر من ثلاث سنوات، مقارنة بمعدل 3.5 في المئة خلال الفترة ذاتها من السنة المالية السابقة. وأكدت وزارة التخطيط والتنمية أن هذا النمو يعكس استمرارَ تنفيذ حزمة الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تستهدف دعمَ الاقتصاد الحقيقي وجذب مزيد من الاستثمارات الخاصة. وهذا مع الإشارة إلى عودة نشاط قناة السويس التي سجلت نمواً موجباً بعد تراجع ناتج عن التحديات الجيوسياسية في المنطقة.
وللمرة الأولى، يتجاوز احتياطي مصر من النقد الأجنبي عتبة الخمسين مليار دولار، ليصل إلى 50.071 مليار دولار في نهاية أكتوبر الماضي، مدعوماً بتحسن عائدات القطاعات الدولارية الرئيسة، واستمرار التدفقات النقدية، ومنها تحويلات المصريين في الخارج والتي زادت بنسبة 45 في المئة لتصل 30.2 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية. ويواصل الدولارُ خسائرَه أمام الجنيه المصري الذي استقر لدى البنك المركزي عند سعر صرف 47.11 جنيه. كذلك تراجع العجز في الميزان التجاري بنسبة 16 في المئة خلال الأشهر العشرة الماضية، ليصل إلى 26.3 مليار دولار مقارنةً ب31.3 مليار الدولار خلال الفترة نفسها في العام الماضي، نتيجة ارتفاع الصادرات وانخفاض المستوردات.
 أما على صعيد المراجعات الخاصة ببرنامج التمويل مع صندوق النقد الدولي، فإن بعثة الصندوق تعتزم الانتهاء من المراجعتين الخامسة والسادسة قبل نهاية العام الحالي. وقد أشادت مديرة إدارة الاتصالات في الصندوق، جولي كوزاك، بالأداء الكلي للاقتصاد المصري، وإن انتقدت بطء تنفيذ برنامج الطروحات وتصفية الأصول المملوكة للدولة، مشيرةً إلى أن البلاد لا تزال تواجه ارتفاعَ مستوى الدين العام.

 *كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية