تشير البحوث الحديثة في علم الاقتصاد المتقدم إلى أن العالم دخل مرحلة جديدة تسمى بالاقتصاد المعرفي العميق، وهي مرحلة تتجاوز مفهوم الاقتصاد المعرفي التقليدي الذي ظهر مطلع الألفية. ففي هذا الاقتصاد الجديد، لم تعُد المعرفة وحدها كافية لإنتاج قيمة، بل أصبحت الخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والسيادة الرقمية، وتكامل البيانات أدوات تصنع قفزات اقتصادية تمكن الدول الصغيرة من التفوق على القوى التقليدية.

ويؤكد تقرير صادر في سنة 2024 «World Future Economy Outlook» أن 40% من النمو الاقتصادي العالمي المتوقع بين عامي 2025 و2035 سيأتي من صناعات تعتمد على الذكاء الاصطناعي المتقدم، والبيولوجيا الرقمية، والحوسبة الكمية، وسلاسل المعرفة المتقدمة. ويعرف الاقتصاد المعرفي العميق بأنه اقتصاد قائم على إنتاج ومعالجة المعرفة المتقدمة عبر الخوارزميات، وتحويلها إلى قوة إنتاجية تعيد تشكيل الصناعات والأسواق وطرق اتخاذ القرار.

ويتميّز هذا النموذج بقدرته على تحرير الدول من قيود الجغرافيا والموارد الطبيعية، حيث تصبح المنافسة قائمة على بناء منصات سيادية لإدارة المعرفة، لا على حجم الأرض أو عدد السكان، وهو ما يمنح الدول الصغيرة فرصاً حقيقية لتجاوز القوى الاقتصادية الكبرى. وتشير بيانات تقرير «OECD Innovation Dynamics Report» الصادر في عام 2024 إلى أن الدول ذات المساحة الصغيرة، مثل الإمارات وسنغافورة وسويسرا وإستونيا، قادرة على تحقيق نمو اقتصادي أسرع بثلاثة أضعاف من المتوسط العالمي متى ما امتلكت سيادة البيانات، ومراكز ذكاء اصطناعي محلية، وسياسات ابتكار مرنة، وقدرة على التحول المؤسسي السريع. وتظهر هذه المعطيات أن التفوق الاقتصادي في المرحلة المقبلة لم يعُد مرهوناً بالموارد التقليدية، بل بمدى القدرة على توظيف المعرفة وتحويلها إلى قيمة مضافة.

عربياً تبرز دولة الإمارات في تنويع مصادر الدخل الحكومي، حيث تمثل مساهمة القطاعات غير النفطية نحو 77.5% من الناتج المحلي، وهو ما يعكس نجاحاً واضحاً في تنويع الاقتصاد. كما تظهر دراسات «مجموعة بوسطن الاستشارية» أن المعرفة أصبحت أهم سلعة اقتصادية في العالم، وأن الاستثمار في اقتصاد المعرفة ينمو بوتيرة أسرع من أي أصل مادي. وتشير الدراسات إلى أن الإنفاق العالمي على الابتكار تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2000، فيما تشكّل الإمارات في الشرق الأوسط نموذجاً متقدماً، إذ يسهم قطاع المعرفة بنحو 85% من الناتج الوطني في قطاعات مثل التكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والفضاء، والأمن السيبراني، والخدمات المتقدمة. كما تؤكد دراسة صادرة في عام 2024 عن «مختبر النمو الاقتصادي بجامعة هارفارد» أن الإمارات تمتلك واحدة من أكثر السلال الاقتصادية تنوعاً في العالم العربي، مع قدرة واضحة على بناء صناعات جديدة خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما يعكس مرونة السياسات الاقتصادية وسرعة التكيف مع التحولات العالمية. ويقوم الاقتصاد المعرفي العميق على مرتكزات أساسية، في مقدمتها اعتبار الخوارزميات قوة إنتاجية قادرة على إحلال العديد من العمليات التي كانت تتطلب آلاف الموظفين، بما يتيح للدول التي تمتلك نماذج ذكاء اصطناعي محلي خفض الكلفة التشغيلية، وتسريع اتخاذ القرار، وبناء منتجات رقمية قابلة للتصدير، وحماية نفسها من الاحتكار الخارجي. كما تشمل هذه المرتكزات المعرفة التنبؤية، التي تمكن الدول من استخدام البيانات للتنبؤ بالتوجهات الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية والمناخية والصحية والسلوكية، إضافة إلى المخاطر والتهديدات، وتشير بيانات حديثة إلى أن الدول ذات القدرات التنبؤية تخفّض خسائرها الاقتصادية بنسبة تصل إلى 34%.

وتبرز كذلك أهمية البنية الرقمية السيادية، التي تشمل مراكز بيانات وطنية، وشبكات اتصال محصّنة، ومنصات ذكاء اصطناعي محلية، إذ يبين تقرير مؤشر السيادة الرقمية العالمي لعام 2024 أن الدول التي تبني سيادة رقمية تحقق استقلالية اقتصادية أعلى بنسبة 28%. ويضاف إلى ذلك التعليم المعرفي المتقدم القائم على الذكاء الاصطناعي، والتفكير الكمي والخوارزمي، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني، والهندسة الحيوية، والمحاسبة الكمية، والحوسبة الكمومية، وغيرها من التخصصات المستقبلية، حيث إن الدول التي لا تكيف نظمها التعليمية مع هذه التحولات مرشحة للتراجع اقتصادياً وسياسياً.

وخلاصة القول إن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مرحلة لا يكفي فيها امتلاك المال أو الموارد الطبيعية، بل يصبح امتلاك المواد الخام الاستراتيجية للمعرفة هو العامل الحاسم. ويشمل ذلك القدرة على إنتاج وتطوير وإدارة صناعة الشرائح والرقائق، وامتلاك المعالجات والمسرّعات، وأسرار هذه الصناعة، إضافة إلى منظومات الخوارزميات والبيانات والبنية التحتية السيادية للمعرفة، بما في ذلك العنصر البشري، الذي يؤهل منذ الولادة ضمن منظومة وطنية تعمل بكفاءة المصنع، وهي الدول التي ستكون الأكثر استعداداً لقيادة مستقبل الاقتصاد العالمي.

*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.