يوشك الجدل حول سياسة الهجرة أن يتركّز على عبارة واحدة: «الخاضع للاختصاص القضائي». ويعود ذلك إلى أن الرئيس دونالد ترامب أصدر في اليوم الأول من ولايته الثانية، أمراً تنفيذياً يقضي بحرمان أي طفل مولود في الولايات المتحدة لأبوين مهاجرين غير شرعيين من الجنسية.
وقد وافقت المحكمة العليا مؤخراً على النظر في قضية طعن في هذا الأمر، ويدور النزاع القانوني حول معنى تلك العبارة المذكورة. وينص التعديل الـ14 للدستور الأميركي، الذي جرى التصديق عليه عام 1868، على أن «جميع الأشخاص المولودين» في الولايات المتحدة، والخاضعين لاختصاصها القضائي، هم مواطنون أميركيون.
وتم تفسير ذلك بأنه يشمل أبناء المهاجرين غير الشرعيين، إذ يمكن للمحاكم الأميركية مقاضاتهم، وغالباً ما تحميهم الشرطة الأميركية من الجرائم. وبذلك، فالاستثناءات، وهي سبب وجود عبارة «الاختصاص القضائي» المتنازع عليها، كانت تشمل الأميركيين الأصليين المقيمين في أراضي القبائل، الذين منحهم الكونغرس لاحقاً الجنسية، وكذلك أبناء الدبلوماسيين والجنود الأجانب. أما النظرية المضادة، التي طُرحت في مشروع قانون قدمه عددٌ من أعضاء مجلس الشيوخ «الجمهوريين» بقيادة توم كوتون (من ولاية أركنساس)، فترى أن عبارة «المواطنة بالولادة» تمنح حق المواطنة بالميلاد فقط لأبناء أشخاص يبدون «الولاء والطاعة للحكومة الأميركية، وهو ما لا ينطبق على المهاجرين غير الشرعيين.
ويؤكد مؤيدو هذه النظرية أن واضعي التعديل الـ14 كانوا يسعون إلى ضمان المواطنة للأميركيين السود، لا لأبناء المهاجرين غير الشرعيين.وهم محقون في ذلك، فلم يفكر أحد آنذاك في مسألة الهجرة غير الشرعية، في وقت لم تكن فيه الولايات المتحدة تفرض قيوداً على الهجرة. وهم محقون أيضاً في القول بأن المحكمة العليا لم تصدر قط حكماً يؤكد بوضوح حقَّ المواطَنة بالميلاد لأبناء المهاجرين غير الشرعيين. كما أنهم محقون حين يشيرون إلى أن هذه السياسة تنطوي على تكاليف جسيمة، إذ تخلق حافزاً لدخول الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، ثم تعيق الترحيل لاحقاً.
معنى القانون لا يقتصر فقط على ما كان يدور في أذهان واضعيه. وقد كان الدافع الرئيسي لبند المساواة في الحماية، الوارد أيضاً في التعديل الـ14، هو ضمان حماية حكومات الولايات للعبيد المحررين. ولأنه كُتب بلغة عامة، فإنه يشمل فئات أخرى ولا يقتصر تطبيقه على التمييز العنصري. أما عبارة «خاضع لاختصاصها القضائي» فهي مصطلح قانوني دقيق يتطلب بحثاً تاريخياً لفهمه. وتستند نظرية كوتون، التي تشترط «الولاء والطاعة»، إلى قضية إنجليزية تعود لعام 1608. لكن تلك القضية أكدت أنه حتى لو تواجد الأجنبي في إنجلترا مؤقتاً، فإنه ملزم بالطاعة طوال فترة إقامته، وأن أي طفل يولد هناك سيكون «مواطناً طبيعياً» خاضعاً لسلطة الملك. وفي عام 1854، كتب وزير الخارجية الأميركي ويليام مارسي أن حق المواطنة بالميلاد «مفترض» باستثناء الأطفال المولودين داخل «البعثات الدبلوماسية الأجنبية».
وقد نقضت المحكمة العليا هذا الفهم في قضية دريد سكوت عام 1857، حين استبعدت جميع السود من مفهوم المواطنة. لكن التعديل الـ14 أعاد الفهم السابق، وبحلول عام 1871 كان وزير الخارجية هاملتون فيش يكتب أن الكلمات الخمس محل النزاع «ربما كان المقصود بها استبعاد أبناء السفراء الأجانب». ويشير عالم السياسة ماثيو ج. فرانك إلى غياب بالغ الدلالة في سجل التاريخ، حيث لا يوجد قانون في تاريخ الولايات المتحدة ينص على منح الجنسية لأبناء المهاجرين المولودين في الولايات المتحدة. وكان يُفترض أنهم مواطنون بالفعل لمجرد ولادتهم هنا.
ويلفت الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب النظرَ إلى قضية أخرى، فإذا لم يعتبر أبناء المهاجرين غير الشرعيين مواطنين، فماذا عن أبناء المهاجرين الشرعيين؟ الأمر لا يكتفي بطمس هذا الفارق بالفعل، بل يتجاوز قانون كوتون باستبعاد أي طفل مولود في الولايات المتحدة لأبوين يحملان تأشيرات مؤقتة من الحصول على الجنسية.
ويكمن الجانب الإيجابي في أنه رغم أن تطبيق حق المواطَنة بالولادة على أبناء المهاجرين غير الشرعيين يعيق إنفاذَ قوانين الهجرة، فإنه يمكن التغلب على تلك المشكلة. فقد شهدت البلاد فترات انخفاض في الهجرة غير الشرعية، وانخفاضاً في الهجرة الشرعية أيضاً، أثناء تطبيق هذه السياسة. وتعمل إدارة ترامب اليوم على تقليص عدد المهاجرين غير الشرعيين، ما يعني تقليل عدد أبناء المهاجرين غير الشرعيين الذين يحصلون تلقائياً على الجنسية مستقبلاً، مع بقاء حق المواطنة بالولادة سارياً. كما يمكن للحكومة أن تتخذ خطوات أخرى للسيطرة على الهجرة، مثل إلزام الشركات الكبرى بالتحقق من الوضع القانوني للموظفين الجدد. فنحن لسنا مضطرين لتغيير الدستور أو تحريفه لتبني سياسة هجرة أكثر صرامة، بل لا ينبغي لنا أن القيام بذلك.
*كاتب أميركي وزميل في معهد أميركان إنتربرايز.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينزديكيشن»


