لم يعد الحضور التجاري في التعليم ظاهرة هامشية تُجاور المنظومة من الخارج؛ إذ تحوّل في بعض الأنظمة حول العالم إلى جزء من التحولات العميقة التي تعيد تعريف المدرسة ووظيفتها. وفي التجارب التي نجحت في صناعة نهضة مستدامة لم يُنظر يوماً إلى هذا الشكل التجاري بصفته قطاعاً خاضعاً لمنطق العرض والطلب، بل بصفته مشروعاً استراتيجياً لبناء الإنسان، وتعزيز رأس المال الاجتماعي، وترسيخ منظومة قيم تؤسّس لسلام مجتمعي طويل المدى.
ومع اتساع منطق السوق عالمياً، كما يظهر في عدد من الأنظمة التعليمية، صارت المدرسة، في بعض السياقات، مجالاً مفتوحاً لمصالح شركات المناهج، ومنصات البيانات، والاختبارات المعيارية الدولية. وتتسلل هذه القوى عبر مفاصل دقيقة، مثل المناهج، والتقويم، والتدريب، والمحتوى الرقمي، وبرامج الدعم الأكاديمي التي أصبحت صياغتها تُعاد بصفتها منتجات تعليمية، لا عناصر تكوينية. وفي اللحظة التي يتحول فيها الطالب إلى مستهلِك والمعلم إلى مزوّد خدمة، تنكمش مساحات بناء الوعي النقدي، وتتراجع قدرة المدرسة على تنشئة إنسان يملك البوصلة الأخلاقية في عالم تتسارع فيه التعقيدات.
ويزداد القلق حين تتحول هذه الديناميات إلى محرك لعدم المساواة؛ فالفجوة بين من يستطيع الحصول على خدمات تعليمية إضافية، ومن لا يستطيع، تتسع باطراد، وتنشأ سوق موازية قائمة على تصنيف الطلاب، وتوسيع برامج التدخل المدفوعة، وممارسات مثل مدرّس الظل والصفوف الخاصة، بما يجعل بقاء الطالب داخل المنظومة هدفاً يسبق جودة التعليم الذي يتلقاه.
وبمرور الوقت يضعف الدور الطبيعي للمدرسة في معالجة الفجوات التعليمية، بينما تتعاظم بيئة تجارية تُثقل الأسر، وتُقوّض ثقة المجتمع بالمؤسسة التربوية. ويمتد أثر هذا التحول إلى مستوى السياسة العامة؛ إذ تدخل الشركات إلى دوائر صنع القرار عبر التحكم في أدوات القياس، وإنتاج المحتوى، وإدارة البيانات، بما قد يعيد تشكيل هوية النظام التعليمي، وفق إيقاع الربحية لا وفق احتياجات المجتمع. ومع أن التعاون مع القطاع الخاص ضرورة في عصر التحول الرقمي، فإن غياب حوكمة صارمة يفتح الباب لتشوهات بنيوية تُضعف قدرة التعليم على أداء دوره الاستراتيجي.
ولا يتوقف التداخل التجاري عند التعليم المدرسي؛ فالجامعات في بعض الدول أصبحت تميل إلى النمو العددي بدل النمو النوعي، وتُقلّص ميزانيات الأقسام مقابل تضخّم هياكل إدارية تُدار بمنطق الأداء الربحي.
وفي حرم جامعي آخر أصبح وجود المقاهي والمتاجر والعقارات التجارية واقعاً يزاحم حضور المعرفة، حتى باتت بعض الجامعات أقرب إلى منظومة اقتصادية منها إلى مؤسسة أكاديمية. وليست حماية التعليم من التشوّه التجاري رفضاً للتقنية ولا للتكامل الواعي مع القطاع الخاص، بل هي حماية لجوهر المدرسة بصفتها فضاء لصناعة المعنى، لا سوقاً تُقاس فيها القيمة بالعائد المالي. وحين تُبنى السياسات على العدالة والمعنى، وتتحصّن المدرسة من أي نفاذ يُضعف رسالتها التكوينية، يصبح التعليم قوة استراتيجية لبناء جيل يملك جذوره ورؤيته وقدرته على صون مستقبل لا يرحم من يترك مصيره للسوق.
د. كريمة مطر المزروعي*
*مستشار- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


