على الرغم من أن العراق يُعد ثاني أكبر دول «أوبك» المنتجة للنفط، بعد المملكة العربية السعودية، فهو يعاني أزمة مالية حادة تعرقل إعداد موازنة العام الحالي، مما اضطر وزارة المالية إلى اعتماد القاعدة «الإثني عشرية» في الإنفاق العام بدءاً من أول يناير الجاري. وقبل تنفيذ هذا الإجراء، قرر المجلس الوزاري للاقتصاد برئاسة رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال، محمد شياع السوداني، تنفيذ حزمة إجراءات «تقشفية»، تهدف إلى تقليص الإنفاق الحكومي وتعظيم الإيرادات، في ظل أزمة سيولة مالية متفاقمة.
وقد شملت هذه الإجراءات تقليص الإنفاق على الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الوزراء، والبرلمان)، وتوحيد رواتب ومخصّصات موظفيها، إضافةً إلى خفض تخصيصات الإيفاد لموظفي الدولة بنسبة 90 في المئة، وقصرها على الحالات الضرورية، ومراجعة عاجلة لملف توحيد سلّم الرواتب. كما تضمّنت الإجراءاتُ خفض نسب الإشراف والمراقبة في المشاريع الجديدة، واعتماد برنامج استيرادي وطني يقتصر على السلع الأساسية.
ومع بداية العام الجديد، من دون إقرار الموازنة، تبرز أهمية المشهد العراقي الذي يعكس عمقَ الارتباك المالي الذي تعيشه البلاد، لاسيما في ظل تطورات سياسية تؤخر تشكيلَ حكومة جديدة كاملة الصلاحيات، وفي وقت تتجه فيه موازنة العام الحالي إلى إعادة هيكلة واسعة لبنود الإنفاق، مع احتمال تقليص، أو تأجيل عدد من المشاريع الاستثمارية، استجابةً للتحديات المالية والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وفي هذا السياق حذّر محافظ البنك المركزي العراقي، علي العلاق، من الضغوط الكبيرة التي تواجه الإنفاقَ العام، خصوصاً فيما يتعلق بالرواتب والإعانات والخدمات الأساسية، مؤكداً أن تقليص هذه البنود ليس خياراً سهلاً، لما قد يترتب عليه من تداعيات اجتماعية مباشرة. وأشار العلاق إلى أن اعتماد المالية العامة العراقية على النفط بنسبة تفوق 90 في المئة جعل الإيرادات شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، ما يفرض البحثَ عن حلول هيكلية وتنويع الاقتصاد وتعظيم الإيرادات غير النفطية.لقد بدأت وزارة المالية منذ أكتوبر الماضي إعداد الموازنة للعام الحالي، وحددت سعر برميل النفط بـ60 دولاراً، وهو أدنى من السعر المعتمد في موازنة 2025 البالغ 70 دولاراً. واستناداً إلى توقعات بتراجع الأسعار العالمية، يرى بعض الخبراء اعتماد سعر بين 40 و45 دولاراً للبرميل، بينما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن مصلحة العراق تكمن في ارتفاع سعر البرميل إلى نحو 84 دولاراً لمعادلة الموازنة، مع العلم بأن عائدات النفط مرشحة للتراجع من 99.2 مليار دولار في العام 2024 إلى 84.2 مليار دولار العام الماضي، ثم إلى 79.2 مليار دولار في العام الحالي.
وفي ضوء هذه الأرقام، ستحمل الموازنة الجديدة عجزاً يقدر بـ48 مليار دولار، ويرتفع مع كل تراجع في سعر برميل النفط. لكن الذي حصل في أحداث فنزويلا وتداعياتها، أربك أسواق النفط العالمية. وكان من أول المعلقين المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، الذي توقع أن يرتفع سعر البرميل إلى 70 دولاراً، الأمر الذي يسهم في تخفيض العجز المالي، مع استمرار حكومة بغداد في المطالبة بزيادة حصتها في إنتاج أوبك بنحو 300 ألف برميل يومياً، وذلك ضمن خطتها لإنتاج خمسة ملايين برميل يومياً خلال العام الحالي. وقد سبق لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن اعتبر أن «حصة العراق في تصدير النفط، لا تتناسب مع حجم الاحتياطي والقدرة الإنتاجية وعدد السكان»، وهو يأمل «أن يتفهم شركاؤنا بشكل أعمق الضرورة الاقتصادية والتنموية لعوائد تصدير النفط».
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


