ماذا يعني أن تتبوّأ ثلاث دول آسيوية لائحة أكبر اقتصاديات العالم؟ الدول الثلاث هي: الصين- اليابان والهند، ثم إن هذه الدول الثلاث هي موطن أكثر من نصف سكان العالم.
بعد سقوط الشيوعية وتمزّق الاتحاد السوفييتي السابق، نشر المفكر الأميركي (الياباني الأصل) فرنسيس فوكوياما في عام 1990 كتاباً عنوانه:«نهاية التاريخ والرجل الأخير». توقع فوكوياما في كتابه أن تسود الثقافة الغربية (الديمقراطية الليبرالية) العالم كله. وأن تستسلم دول الشرق والغرب للواقع الجديد. غير أن الذي حدث كان نجاح الصين في منافسة الولايات المتحدة على الموقع الأول في اقتصاديات العالم. فكيف حدث ذلك؟ وماذا يعني بالنسبة للعلاقات الدولية؟
في عام 1950 كان ثلاثة أرباع البشر يعانون من الفقر المدقع. وكان معظمهم من الآسيويين، وحتى من الصين بالذات (وذلك نتيجةً لمضاعفات الثورة الثقافية 1966- 1976) التي اجتاحت البلاد وغيرت بنيتها الاقتصادية والاجتماعية. غير أن الصينيين تعلّموا من تلك الثورة كيف يجدّدون بنيتهم العلمية، وكيف يطوّرون مؤسساتهم البحثية، وكيف يعيدون ترميم اقتصادهم وتطويره وتحديثه. وذهبوا إلى أبعد من الترميم إلى البناء، حتى أصبحت الصين اليوم تنافس الولايات المتحدة ذاتها على الموقع الاقتصادي الأول في العالم. فبعد تجديد طريق الحرير الذي يربط الصين تجارياً وثقافياً مع الدول الآسيوية والأفريقية، وحتى الأوروبية، خصّصت المليارات من الدولارات لرفع مستوى البنية التحتية الاقتصادية للعديد من دول العالم الثالث، بما فيها دول أميركا اللاتينية.
وكان الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، يتطلّع إلى كيفية احتواء الصين. اكتشف الغرب أن الاحتواء أصبح «حلم ليلة صيف». وإنه مجرد تمنٍّ وهمي، فقد تغيّر الوضع، وتغيّرت المعادلات والموازين، وأصبح الغرب (أوروبا والولايات المتحدة الأميركية) يتطلّع الآن إلى كيفية التعاون مع الصين، بعد سقوط سياسة الاحتواء.
وهنا ترتسم علامة الاستفهام الكبيرة: كيف خرجت الصين من القمقم الذي عملت بريطانيا والولايات المتحدة -وقديماً البرتغال (وكذلك إسبانيا)-على وضعها فيه؟ وكيف تحوّلت من دولة ممزّقة ومتخلّفة إلى مصاف الدول الأولى في العالم اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً؟.
في الستينات من القرن الماضي كان المغرب يصدّر إلى الصين الجرافات الزراعية مقابل استيراد الشاي، المشروب المفضّل لدى المغاربة. أما اليوم فإن الصين تصدّر إلى العديد من الدول الأفريقية -بما في ذلك المغرب- الأجهزة والمعدات التي تحتاج إليها في مشاريع التنمية والتطوير. وصلت الصين إلى القمر، وحطّت مركبتها في الجانب الخلفي منه.. ونحن ما زلنا نتغزّل به ونبحث فيه عن وجه الحبيبة.. ومن غير سدى !
*كاتب لبناني


