تدخل الحكومة الإسرائيلية بإجراءاتها الراهنة في قطاع غزة، وتعاملها مع دول جوارها، مرحلة جديدة، تتسم بالتكتيك السياسي والاستراتيجي والتخطيط لإدارة المشهد وهندسته بصورة لافتة، مع الحرص على تحقيق أكبر مكاسب سياسية مما سيجري في إطار خطة محكمة تستهدف في مجملها جني الثمار، ويتلخص التوجه الراهن في عشر خلاصات قد تفسر ما سيجري..
الأول: تحاول الحكومة الإسرائيلية إبقاء الأوضاع في قطاع غزة في دائرة محددة وعدم الخروج عن قواعدها، وهو ما يتضح في الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية تحت النار، ومن خلال رؤية تجمع بين المرحلي وطويل الأجل مع عدم تقديم تنازلات حقيقية للجانب الأميركي، وإنْ تباينت الرؤى، وتداخلت الأهداف في كثير من النقاط التي ستحدد مسار الحل في قطاع غزة، بل وترتبط بالمخطط الراهن للتعامل مع مجلس السلام أو القوة الدولية التي ستشكل.
الثاني: الإبقاء على سياسة التعامل في الضفة الغربية، وعدم القبول بإعادة دورها في القطاع في الفترة المقبلة، بصرف النظر عن تقبل دورها في الوقت الراهن، وإلى حين تدخل اللجنة ببعض عناصرها، وممارسة مهامها، فإن العلاقة ستحدد على الأرض، خاصة وأن دور اللجنة سيكون مدنياً وخدمياً في الأساس، ومن ثم، فإن الحكومة الإسرائيلية سيكون لها مسارها المحدد في التعامل في ظل ما سيجري، واحتمالات بدء مشروع الإعمار في المساحات التي تسيطر عليها «حماس» وتعتزم تسليمها.
الثالث: استمرار مراقبة السلوك الأميركي في القطاع بصورة مباشرة انطلاقاً من مراقبة دقيقة لمركز التنسيق الأميركي في «كريات جات» تخوفاً من تدويل شأن غزة، وهو ما يجري في الوقت الراهن في إطار سعي إسرائيل للتحرر من القيود والضغوط في التحرك الحالي، الذي يفسر تتالي الصدامات غير المعلنة بين واشنطن وتل أبيب، وقيام إسرائيل بممارسة عمليات تتبع ومراقبة لما يجري، خاصة مع وجود ممثلي عدد كبير من الدول التي قد تحد من مساحات التحرك الإسرائيلي.
الرابع: الإبقاء على الحكومة الراهنة بمكوناتها الراهنة لحين إجراء الانتخابات في موعدها أو حتى التبكير بإجراءات انعقادها في حال حدوث أية تطورات حقيقية يمكن أن تتم وتدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في التحرك والعمل بإجراءات استثنائية محددة للخروج من أية استحقاقات يمكن أن تتم، وتخوفاً من نتنياهو من إقدام الإدارة الأميركية للتدخل في الشأن الداخلي، ودفع المعارضة لتغيير قواعد اللعبة الراهنة.
الخامس: استثمار المشهد الراهن في مسار العلاقات الأميركية، ومن ثم فإن الحل المطروح قد يكون التوجه مباشرة إلى توظيف منظومة العلاقات بالحصول على الاتفاق الأمني مع الإدارة الأميركية، وإبرام صفقات السلاح المعطلة مع إدخال العلاقات مرحلة مفصلية لا علاقة لها بما يتم في الوقت الراهن فقط، بل الانفتاح على الإدارات المقبلة، وعدم التركيز على ولاية الرئيس ترامب في إشارة لتوجه إسرائيل بالعمل على مسارات مستقبلية كاملة.
السادس: تسكين الوضع مع الجبهة اللبنانية وطرح إشكالية نزع سلاح «حزب الله»، والتركيز على أن الوضع الراهن هش، وحرص الحكومة الإسرائيلية على تحقيق أهدافها ولجم «حزب الله» بما يضمن إبقاء الداخل اللبناني في حالة من عدم الاستقرار.
السابع: الاستمرار في إدارة الأوضاع في الجنوب السوري، مع التركيز على التواجد الأمني وتأمين الوجود العسكري بالأساس، مع عدم حسم موضوع الدروز في الوقت الراهن، واستخدام استراتيجية ممتدة في التعامل مع النظام السوري، مع الوضع في الاعتبار تبعات الملف الأمني في المقدمة، وإمكانية التوصل إليه (الاتفاق الأمني)، خاصة أن الإدارة الأميركية تريد بالفعل تعويم دور النظام السوري.
الثامن: الحفاظ على علاقات الجوار مع كل من مصر والأردن، مع وضع العلاقات مع تركيا في سياقها، والتأكيد على استمرار مسارات العلاقات (المصالح تحكم استمرار إتمام صفقة الغاز لمصر والمياه للأردن وغيرها)، في إشارة مهمة لتبعات ما يجري، مع رفض أية ضغوط للتدخل في ملف غزة من دون تنسيق (حالة تركيا)، مع إدراك أهمية دولة مثل مصر في تنفيذ الخطة الأميركية ودورها في غزة.
التاسع: تأجيل التعامل مع مقاربة السلام الإقليمي أو اتفاقيات السلام في الإقليم لاعتبارات متعلقة بعدم وجود فرصة لإتمام ذلك، مع التركيز على الطرح الأميركي لفكرة السلام الاقتصادي أولاً، وقبل أي اتفاق للسلام السياسي، في إشارة مهمة لما يمكن أن يتم في المديين المتوسط والطويل، ما يعني أن الحكومة الإسرائيلية تركز على الأمن أولاً. 
العاشر: تحصين الجبهة الداخلية وبناء مناعة وطنية حقيقية للخروج من حالة التخبط والانقسام، وهو ما يتطلب التأكيد على محددات مهمة في إطار استمرار حكومة نتنياهو واستمرار الدعوة لمحاكمته، وفشل المعارضة في التحرك مع وجود رأي عام يتعامل مع الثوابت، وليست المتغيرات وبصرف النظر عما يطرح في استطلاعات الرأي الأخيرة، والتي تطالب بخروج نتنياهو من المشهد السياسي.
سيظل المشهد الإسرائيلي إذاً مرتبطاً بسلوك عام يُعلي من مبدأ أمن إسرائيل أولاً في مواجهة ما يجري، ويحيط بالدولة من مخاطر وتحديات تتطلب تماسكاً للتعامل، وبقاء الدولة كأولوية رئيسية.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.