لم تعُد حرب غزة مجرد مواجهة عسكرية عابرة في تاريخ الصراع، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة أعادت ترتيب أوراق المنطقة، وعرّت هشاشة التوازنات القديمة، وفتحت الباب واسعاً أمام سؤال كبير: من يقود المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط؟ ومن يملك القدرة على منع الانزلاق نحو فوضى جديدة تُدار من خارج الإرادة العربية؟
في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس التحركات بحجمها الإعلامي، بل بعمقها الاستراتيجي. التنسيق بين القاهرة وأبوظبي ليس لقاءً ثنائياً تقليدياً، بل جزءاً من هندسة أوسع لتحالف عربي يعيد تثبيت منطق الدولة في مواجهة منطق الفوضى. مصر، بتاريخها وموقعها وثقلها السكاني، ليست مجرد دولة جوار لغزة، بل هي البوابة الجغرافية والسياسية لأي ترتيب مستقبلي في القطاع. والإمارات، برؤيتها المتقدمة وثقلها الاقتصادي وقدرتها على التحرك المتوازن بين القوى الكبرى، تمثل رافعة تأثير لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية.
ما بعد الحرب لن يكون ميداناً للصواريخ بقدر ما سيكون ميداناً لإعادة الإعمار، وإعادة بناء الإدارة، ومنع الفراغ الأمني. وهنا تتضح المعادلة: الشرعية تحتاج إلى مصر، والتمويل يحتاج إلى الخليج، والرؤية تحتاج إلى قيادة تدرك أن الاستقرار لا يُشترى بالحلول المؤقتة. من دون هذا التكامل، ستبقى غزة بؤرة توتر قابلة للاشتعال في أي لحظة.
لكن المسألة أعمق من غزة. المنطقة كلها تعيش حالة إعادة تموضع. البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل ساحة تنافس. الطاقة لم تعُد مورداً اقتصادياً فقط، بل ورقة جيوسياسية. حتى التحالفات لم تعُد ثابتة كما كانت قبل عقد من الزمن. في ظل هذا المشهد، يصبح الترابط العربي مسألة بقاء، لا خياراً سياسياً.
القوى الدولية تراقب وتتحرك. واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها، بكين توسع حضورها الاقتصادي، موسكو تبحث عن موطئ قدم في توازنات جديدة. وفي كل مرة يغيب فيها الصوت العربي الموحد، يُملأ الفراغ سريعاً بأجندات الآخرين، لذلك فإن بناء محور استقرار عربي لا يعني الانخراط في محاور صدامية، بل يعني امتلاك القدرة على التفاوض من موقع قوة، ورفض أن تكون المنطقة ساحة تصفية حسابات.
إن هندسة التحالفات العربية اليوم يجب أن تقوم على ثلاث ركائز: اقتصاد قوي يخفف هشاشة الداخل، أمن متماسك يحمي الحدود والمؤسسات، ورؤية سياسية ترفض الأدلجة وتؤمن بالدولة الوطنية. هذا هو الفارق بين مشروع دولة ومشروع فوضى. وعندما تتقاطع العواصم العربية الكبرى حول هذا الفهم، فإنها لا تدير أزمة، بل ترسم ملامح مرحلة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفراغ أخطر من الخلاف، وأن الانقسام يُنتج أزمات أكبر من أي مواجهة مباشرة. لذلك فإن اللحظة الحالية تفرض عقلانية عالية، وتغليب المصالح العليا على الحسابات الضيقة. المنطقة لا تحتمل دورة جديدة من الاستنزاف، ولا مزيداً من التجارب التي أثبتت فشلها.
الخيار واضح: إما أن تُعاد صياغة التحالفات العربية على أسس صلبة تُوازن بين الأمن والتنمية، أو أن يبقى الشرق الأوسط رهينة تقلبات الخارج. وفي زمن التحولات الكبرى، لا تنجو إلا الدول التي تفهم أن الاستقرار يُبنى بالشراكة، وأن القوة الحقيقية تبدأ من الداخل العربي نفسه.
*لواء ركن طيار متقاعد


