نشر الديمقراطية ليس أولوية بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولعل خير دليل على ذلك هو الأحداث التي وقعت مؤخراً في كل من فنزويلا وإيران. فقد ظن البعض، إما بدافع السذاجة أو النفعية، أن ترامب سيتدخل في الحالتين من أجل وضع حد لأنظمة يرى الأميركيون أن شعوبها تعاني. والحق أن ترامب أعطى بالفعل الانطباع -- أو الوهم -- بأنه سيدعم الثورة الشعبية ضد سلطة نيكولاس مادورو، ثم ضد نظام الملالي في إيران. ففيما يتعلق بفنزويلا، ندد ترامب بعدم شرعية سلطة نيكولاس مادورو بسبب الانتخابات المثيرة للجدل التي جرت في عام 2024 ومعارضة جزء كبير من السكان له، وهو ما أحيا الأمل في تدخل أميركي يفضي إلى الإطاحة بالنظام وتخليص الشعب الفنزويلي من سلطة يراها الأميركيون غير فعالة، وهو ما كانت تدعو إليه بشكل خاص ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025.

ولكن، ماذا حدث بعد ذلك؟ في الثاني من يناير، قامت القوات الأميركية باعتقال نيكولاس مادورو -- بغض النظر عن رأي المرء في نيكولاس مادورو -- وبعد ذلك، توصلت إدارة ترامب إلى اتفاق مع خليفته نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز التي تنتمي إلى النظام نفسه. غير أنه لم يظهر أي نظام أكثر ديمقراطية. ولعل الفرق الوحيد هو أن السلطة الجديدة تبدو أكثر استعداداً لتوجيه صادرات النفط إلى الولايات المتحدة منها إلى الصين، مما يلبي أهداف سياسة دونالد ترامب الخارجية. ولهذا، فإنه من المستبعد حدوث أي تغيير في النظام في فنزويلا. وهذا أمر لا يهم دونالد ترامب إطلاقاً، في الحقيقة، طالما أن السلطة الجديدة تستجيب لشروط الولايات المتحدة في مختلف المجالات. أما بخصوص إيران، فقد دعا رئيس الولايات المتحدة الشعب الإيراني في البداية إلى النزول إلى الشوارع، مؤكداً أن المساعدة في طريقها إليهم.. ترامب أعلن دعمه للشعب الإيراني لكنه لم يحرك ساكناً.

وهو ما يذكّرنا بحادثة المجر عام 1956، حين حثت الولايات المتحدة المجريين على الثورة، ثم جاء التدخل السوفييتي آنذاك ليغرق تلك الثورة في الدماء دون أن تفعل الولايات المتحدة شيئاً رداً على ذلك لأنها كانت ترفض الدخول في حرب ضد الاتحاد السوفييتي. الآن تنخرط إدارة ترامب من جديد في مفاوضات مع إيران تركز على إنهاء برنامج إيران النووي أو على الأقل فرض قيود صارمة عليه، ولكن أيضاً على الدعم الذي تقدمه لوكلائها الذين أصابهم ضعف كبير الآن.

غير أنه علاوة على الخطاب، نسي المراقبون الذين كانوا يعتبرون أن التدخل العسكري الأميركي ضروري من أجل الإطاحة بالنظام أن الأنظمة لا يتم إسقاطها بالمغامرات العسكرية وحدها -- لأن ذلك يتطلب نشر قوات على الأرض، وهو ما يبدو أن دونالد ترامب ليس مستعداً للقيام به، كما أن السابقتين العراقية والأفغانية لا تشجعان على الذهاب في ذاك المنحى. ولهذا، فالأرجح هو أن دونالد ترامب سيتوصل إلى اتفاق مع النظام الإيراني في حال أبدى هذا الأخير استعداداً للتفاوض.

وغني عن البيان أنه إذا استجابت إيران للولايات المتحدة على صعيد السياسة الخارجية، فإن دونالد ترامب لن يكترث إطلاقاً بمستوى ما يحدث من اضطرابات في الداخل الإيراني. وبذلك نكون قد عدنا إلى بدايات «الواقعية السياسية» التي انتهجها ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر، اللذان لم يكونا يلقيان بالاً للسلوك الداخلي للاتحاد السوفييتي طالما أنه لا يتعارض مع أهداف السياسة الأميركية على الصعيد الخارجي.

فالولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب ليست لديها أي نية لدعم الديمقراطية عبر التدخل العسكري، وكل من كان يعتقد خلاف ذلك يمكن القول، إن آماله قد خابت. وخلاصة القول، إن دونالد ترامب يدافع عن رؤيته لمصالح الولايات المتحدة. فمن فاجأه ذلك؟ ومن يرى غير ذلك؟ الحقيقة أنه من السذاجة الاعتقاد بأن ترامب كان سيدافع عن الديمقراطية ويخاطر بحياة جنوده في سبيل دعم هذا المفهوم.

*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس