في إطار التوجهات المتقدمة التي تؤكِّد معها دولة الإمارات العربية المتحدة مساعيها المتواصلة لريادة علوم المستقبل، أُعلن خلال القمة العالمية للحكومات 2026 إنشاء «مختبر الحياة والتنوع البيولوجي» ضمن مرافق «متحف المستقبل»، وذلك بالتعاون مع شركة «كولوسل بيوساينسيز» الأميركية المتخصصة في التقنيات الحيوية والهندسة الجينية.
وسيحتوي هذا المختبر على ما يُشبه البنك أو الخزانة الحيوية التي يمكنها حفظ المادة الوراثية لآلاف الأنواع من الكائنات الحية، ولفترات زمنية طويلة جداً.ويمثّل إنشاء هذا المختبر المرحلة الأولى ضمن شبكة عالمية من تلك البنوك التي يمكن معها تشكيل ما يشبه خطوط الدفاع المتقدِّمة ضد مخاطر الانقراض للكائنات الحية، نتيجةً للكوارث الطبيعية واسعة النطاق، أو التداعيات السلبية التي يفرضها تغيُّر المناخ، أو الأنشطة الجائرة مثل الصيد غير المشروع. كما ستسمح هذه البنوك مستقبلاً بإعادة إكثار أنواع من الكائنات ضمن موائلها في البر والبحر، ودعم استعادة النظم البيئية المتضررة، وبالتالي الإسهام في استدامة مختلف أشكال الحياة على الأرض.
ويعكس اختيار متحف المستقبل تحديداً كأول من يحتضن هذه الخزائن في العالم خطوةً مدروسة، فالمتحف يعمل كبيئة مفتوحة للأفكار الخلاقة، وبالتالي سيؤدي احتضانه لمختبر الحياة والتنوع البيولوجي إلى دفع الابتكارات العالمية، التي يمكن أن تسهم في الحفاظ على البيئات الطبيعية وكائناتها الحية. ومن الجدير ذكره هنا أن شركة «كولوسل بيوساينسيز» تسعى من خلال أبحاثها المتقدمة إلى إعادة بعض الأنواع المنقرضة من الحيوانات، مثل الماموث الصوفي أو نمر تاسمانيا، هذا إلى جانب جهودها في محاولة إنقاذ عدد من الحيوانات المهددة حالياً بالانقراض.
وتبعاً لتصميم المختبر، فإن موجوداته ستضم عينات وراثية لأكثر من 10 آلاف نوع من الكائنات الحية، مع التركيز في بداية عمله على جمع المادة الوراثية لنحو 100 نوع من الأحياء البرية والبحرية من حول العالم، والمهددة بالانقراض بشدة. حيث سيدعم وجود هذا المختبر الأبحاث المتقدمة في مجالات حفظ الخلايا بالتجميد العميق، وعلوم الجينوم، واستخدامات الذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا الحيوية، وهي مسارات تفتح الباب أمام الجامعات والباحثين الإماراتيين للاستفادة منها، وتسرِّع صقل الكفاءات الوطنية في علوم الحياة.
كما ستمتد فوائد المختبر لتشمل استقطاب خيرة العلماء والباحثين في العلوم الحيوية من حول العالم، والذين سيمكنهم العمل في واحدة من أفضل البيئات العلمية تقدُّماً في مجالات حفظ التنوع الحيوي والاستدامة البيئية، هذا إلى جانب جذب الشركات العالمية الناشئة وابتكاراتها في مجالات التكنولوجيا الحيوية. وإضافة إلى ما تقدَّم، سيمِّهد المختبر بما سيحتويه من قواعد بيانات وراثية دعمَ برامج مراقبة التنوع البيولوجي في الدولة والمنطقة، تحديداً فيما يتصل بالثدييات والطيور والنباتات المهدَّدة بالانقراض، وبما يخدم في إعادة التوازن للنظم البيئية التي تعيش فيها تلك الكائنات.
ويمكن التأكيد على حقيقة مهمة، مفادها أن وجود أول بنك حيوي في العالم هنا في دولة الإمارات يعدُّ خطوة استراتيجية تعزِّز من مكانة الدولة كمركز عالمي للابتكار البيئي والاستدامة، وتؤكِّد الدور الذي باتت تحظى به ضمن المبادرات العالمية في العلوم المتقدمة، وهو ما يقدِّم في الوقت ذاته شهادة حيَّة على التزام الإمارات بأن تكون الرائدة دولياً في حماية الطبيعة، من خلال مثل هذه المشروعات التي تسعى إلى الحفاظ على أشكال الحياة، بما يسمح في استدامة التنوع البيولوجي على كوكب الأرض.
إن إنشاء «مختبر الحياة والتنوع البيولوجي»، الأول من نوعه عالمياً للكائنات الحية، يأتي متماشياً مع الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي 2031، التي أُطلقت في ديسمبر 2023 ضمن فعاليات مؤتمر الأطراف «كوب 28»، والهادفة إلى رصد النظم الطبيعية وحمايتها في الدولة، والمحافظة على الأنواع المحلية من الكائنات الحية وتنميتها ضمن نظمها الإيكولوجية البرية والبحرية، وتعزيز الموارد الوراثية المحلية والعمل على استدامتها، وزيادة التكامل ما بين البحوث العلمية والابتكارات لصون وحماية التنوع البيولوجي، إضافةًَ إلى تعزيز الوعي المجتمعي وبناء القدرات والكفاءات الوطنية في مجال حماية التنوع البيولوجي.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


