من الواضح أن ثمة محاولات اعتباطية لبعث العنصريّة في المجال الرياضي، وهو تصرّف يمثّل تهديداً للمبادئ الأخلاقية، التي ترجوها الرياضات المتعددة، إذ الرياضة جزء من الترفيه اليومي للبشرية أياً كانت اللعبة، بيد أن تصاعد العنصرية تفشّى مؤخراً بعالم كرة القدم، وصار يشكّل تهديداً لأفكار اللعبة وأهدافها، وآخر حدثٍ سيطر على «مانشيتات» صحف كرة القدم الصراع الذي حدث بين كلٌ من «فينيسيوس جونيور» اللاعب البرازيلي في نادي «ريال مدريد» مع مهاجم فريق «بنفيكا» البرتغالي «جيانلوكا بريستياني».
المهاجم الأرجنتيني في فريق «بنفيكا» نعت «فينيسيوس» -ضمن ذهاب الملحق المؤهل إلى ثمن مسابقة دوري أبطال أوروبا- بأبشع الألفاظ العنصرية كما في تصريح مهاجم ريال مدريد «كيليان مبابي»، الذي أكد أنه سمع الشتائم بنفسه، حيث كرر لاعب «بنفيكا» كلماته العنصرية بحق البرازيلي«فينيسيوس جونيور».
بعدها علّق عمالقة كرة القدم مستائين من الشتيمة العنصرية، ومن بين أولئك اللاعب الفرنسي «تيري هنري» الذي أكّد بأن هذه الرياضة أرقى من أن تكون بهذا الاختراق العنصري، ونحن في هذا الزمن الحضاري المتطوّر، والغريب أن جمهور فريق «بنفيكا» كان يكرر ذات الشتائم التي لا تليق بالمجال العام الدنيوي اليومي، فضلاً عن لعبة كرة القدم التي هي عنصر جمعٍ بين الثقافات والأديان والدول، وقد فتح الاتحاد الأوروبي التحقيق، وأصدرت اتحادات لكرة القدم في عددٍ من دول العالم إداناتٍ لهذا السلوك المسيء.
لطالما كانت كرة القدم لعبة محببة للصغار والكبار، فهي لعبة تجمع بين الأعراق، ولا يجب أن تتحوّل إلى أداة تمييز عنصري.
لفتني تعليق أحد المحلّلين على هذا الحدث بأن على اللاعبين وبالتزامن مع التدرّب البدني، الدخول في مجال الفهم الثقافي للشعوب، وهذا ما تعكسه تصريحاتُ بعض اللاعبين المتعلّمين، وهي التي تؤسس لحيويّة اللعبة وأدوارها الحضارية، هنا الفرق بين اللاعب الحضاري، وبين الآخر العنصري.
أتذكر ضمن هذا الحدث الكتاب المفيد لـ:«أشرف عبد الشافي» بعنوان: «المثقفون وكرة القدم» مما ذكر فيه أن: «ثمة من يجهل أثر عظماء الأدب والفلسفة على هذه اللعبة وهذا ما انتبهت إليه ألمانيا قبل تنظيم كأس العالم 2006، وكان مفاجئاً للعالم كله أن تجعل الأدب جزءاً من عملية الترويج، لقد دخل الشعر إلى الإعلانات، وتم اقتباس مقولات الأدباء، ووضعها في محطات المترو، وكانت المفاجأة الكبرى هي دعوة الكاتب «جونتر جراس» الألماني، الحائز على نوبل، ليقرأ مقاطع من أعماله في الاستاد الرئيسي للمونديال».
الخلاصة، أن عودةَ السلوك العنصري في عالمِ كرة القدم أمر محبط، فهذه الرياضات أساس في الحيويّة الدنيويّة وللرفاهيّة اليوميّة.لابد من ربط الرياضات كلها بالأخلاق الإنسانية وهذا لن يتم إلا بالإجراءات القانونية، وقبل ذلك بالوعي الذاتي الذي يجب أن يُرسّخ باللاعب من قبل الأكاديميات الرياضية وإدارات الأندية لئلا تعود العنصرية إلى الرياضة من جديد.
*كاتب سعودي


