في مقالنا السابق تناولنا مشهد التوتر الأميركي الإيراني بين مسار تفاوضي مفتوح وسقف عسكري مرتفع، لكن القراءة الأعمق لا تكتمل دون تقدير انعكاسات هذه المعادلة على الخليج، لأن الجغرافيا هنا ليست تفصيلاً… بل جوهر التوازن.
الخليج يقف اليوم في نقطة تقاطع المصالح الكبرى. كل حاملة طائرات تدخل المنطقة، وكل تجربة صاروخية تُجرى، وكل جولة تفاوض تُعقد، تنعكس مباشرة على أمنه واقتصاده ومكانته الدولية. لذلك فإن التقدير الاستراتيجي لا يُبنى على النوايا المعلنة، بل على توازن القدرات واحتمالات القرار.
أرجّح أن السيناريو الأكثر احتمالاً في المدى القريب هو استمرار «الضغط المتبادل دون حرب شاملة»، بنسبة تقارب 60%. الولايات المتحدة لا تبحث عن صدام طويل في منطقة حيوية للطاقة العالمية، وإيران تدرك أن مواجهة مباشرة قد تستنزفها اقتصادياً وعسكرياً. هذا السيناريو يعني بقاء المنطقة في حالة تأهب، مع رسائل ردع متبادلة، وعمليات محسوبة لا تتجاوز الخطوط الحمراء، لكنه يتطلب إدارة دقيقة لمنع أي خطأ حسابي.
السيناريو الثاني، اتفاق مرحلي محدود، احتماله يقارب 25%. قد يتم تجميد جوانب من البرنامج النووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات. هذا سيخفض التوتر مؤقتاً ويمنح الأسواق استقراراً نسبياً، لكنه لن يُنهي القلق المرتبط بالصواريخ أو النفوذ الإقليمي. إنه هدنة تكتيكية أكثر منه حلاً استراتيجياً، وقد يعيد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة لاحقاً.
أما احتمال الضربة المحدودة، فأقدّره بنحو 10%. هذا الخيار قد يُستخدم لإعادة ضبط معادلة الردع إذا فشلت المفاوضات أو حدث تصعيد مفاجئ. لكنه يحمل مخاطرة التوسع غير المقصود؛ لأن الردود في هذه البيئة الحساسة قد تتجاوز الحسابات الأولية، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية مزدحمة بالقوى العسكرية.
ويبقى احتمال الحرب الإقليمية الواسعة منخفضاً - في حدود 5% - لكنه ليس مستحيلاً. التاريخ يُعلّمنا أن الحروب لا تبدأ دائماً بقرار معلن، بل أحياناً بخطأ تقدير أو حادث غير محسوب في ممر بحري أو قاعدة عسكرية، يتحول تدريجياً إلى تصعيد خارج السيطرة.
وبالنسبة لدول الخليج، المعادلة تقوم على ثلاث ركائز: الردع، المرونة الاقتصادية، والتوازن السياسي. ارتفاع أسعار النفط في حال التصعيد قد يمنح مكاسب مالية قصيرة الأجل، لكنه يقترن بزيادة المخاطر على الملاحة وسلاسل الإمداد. أما الاستقرار النسبي، فسيعزز جاذبية المنطقة للاستثمار ويكرّس مكانتها كمركز اقتصادي عالمي.
الخليج اليوم ليس كما كان قبل عقدين. بنيته الدفاعية أكثر تطوراً، وشراكاته الدولية أوسع، واقتصاداته أكثر تنوعاً. لكنه يظل في قلب الجغرافيا الحساسة، ما يجعل إدارة المرحلة تتطلب عقلاً بارداً لا ردود فعل عاطفية، واستعداداً دائماً دون اندفاع.
المطلوب ليس الانحياز لمحور، بل حماية الاستقرار. ليس التصعيد الإعلامي، بل تعزيز التنسيق الدفاعي والاستخباراتي. وليس انتظار النتائج، بل الاستعداد لكل الاحتمالات.
نحن أمام مرحلة اختبار توازن لا اختبار قوة. الفرق كبير بين أن تملك أدوات الردع وأن تُستخدم تلك الأدوات بلا حساب. النجاح الحقيقي في هذه اللحظة لن يُقاس بحجم الحشود العسكرية، بل بقدرة القيادات على منع الانزلاق، وتحويل هذه الأزمة من تهديد عابر إلى فرصة لإعادة صياغة منظومة أمن إقليمي أكثر صلابة واستقلالاً واستشرافًا للمستقبل.
*لواء ركن طيار متقاعد


