أثارت توقعات الميزانية طويلة الأجل الصادرة عن مكتب الميزانية في الكونجرس الأسبوع الماضي همهمات قلق طفيفة. هذه هي باختصار المشكلة المالية الأميركية: فهي تتجاهل التوقعات المفصلة والمحايدة تماماً لكارثة مالية وشيكة.
نعم، التوقعات مجرد توقعات، ومعظم التنبؤات الكارثية تخيب. يناقش مكتب الميزانية في الكونجرس سجله في التنبؤات، ويؤكد على أوجه عدم اليقين. وكما يوضح، إذا سارت بعض الأمور الرئيسية على ما يرام - نمو أسرع من المتوقع، وأسعار فائدة أقل من المتوقع، وتغييرات مناسبة في السياسات - فقد لا تحدث أزمة مالية أبداً. لكن الإجماع اللامبالي يتجاهل الخطر المماثل المتمثل في أن بعض هذه الأمور أو كلها تسوء أكثر من المتوقع، مما يجعل الكارثة المالية أمراً لا مفر منه. على الرغم من سوء الأرقام، إلا أنها توقعات للسيناريو المركزي، لا متفائلة ولا متشائمة.
السيناريو المركزي هو أن الولايات المتحدة تعاني من مشكلة مالية خطيرة وملحة. إذا تُركت دون معالجة، فستستمر في التفاقم. تشير جميع الدلائل إلى أنها ستُترك دون معالجة حتى فوات الأوان.
في العام الماضي، ومع نمو الاقتصاد بوتيرة جيدة وانخفاض معدل البطالة إلى مستويات متدنية للغاية، أنفقت الحكومة الفيدرالية 7 تريليونات دولار، بينما لم تتجاوز إيراداتها 5 تريليونات دولار بقليل، وبلغ العجز الناتج 1.8 تريليون دولار، أي ما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم كان يُعتبر في السابق صادما في ظل الظروف الراهنة. ويرى مكتب الميزانية في الكونجرس أن العجز سيرتفع إلى أكثر من 3 تريليونات دولار، أي ما يعادل 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي، خلال السنوات العشر القادمة؛ وسيرتفع الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور من 99% إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى بكثير من ذروته بعد الحرب العالمية الثانية التي بلغت 106%، وسيستمر في الارتفاع بوتيرة متسارعة ليصل إلى 175% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2056.
لا يُشير رقمٌ مُحدد بالضرورة إلى انهيارٍ اقتصادي. وإذا ما حدث هذا الانهيار المالي الكبير، فمن المُرجح أن يتبعه تحوّلٌ من التراخي إلى الذعر في سوق الدين الحكومي. وبسرعة، ستؤدي الزيادة المفاجئة في تكاليف الاقتراض الحكومي إلى رفع العجز والدين المُتوقعين بوتيرةٍ أسرع، مما يُغذي الذعر، ويرفع أسعار الفائدة مُجدداً، وهكذا دواليك، لذا، يُعدّ الانتقال من التراخي إلى العمل قبل اندلاع هذه الحلقة المُفرغة أمرا بالغ الأهمية. وكذلك إدراك أنه كلما طال تأخير العمل، كلما صعب منع الدين من النمو بوتيرةٍ أسرع من الاقتصاد، بل قد يصل الاقتصاد إلى نقطةٍ يصبح فيها استعادة السيطرة المالية أمراً مُستحيلاً، إلا في حالة التخلف الصريح عن سداد الديون، لأن الزيادات الضريبية وخفض الإنفاق اللازمين لتحقيق ذلك سيؤديان إلى انهيار الاقتصاد.
في الوضع الراهن، تحتاج الولايات المتحدة إلى خفض عجز الموازنة إلى حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي لمجرد وقف تفاقم الدين. وقد عُرض قرارٌ بهذا الهدف على الكونجرس، لكن لم يؤيده سوى عدد قليل من المشرعين حتى الآن، ويتساءل المرء كم منهم سيكون مستعداً بالفعل لتنفيذ هذه السياسة.
ذلك لأن خفض العجز إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي يعني توفير تريليون دولار سنوياً من خلال زيادة الضرائب و/أو خفض الإنفاق، أي ما يعادل، على سبيل المثال، زيادة شاملة تتجاوز 30% في إيرادات الضرائب على مداخيل الأفراد، أو خفض الإنفاق على الضمان الاجتماعي بمقدار الثلثين، كما أن فرض ضريبة قيمة مضافة بنسبة 10% على غرار النموذج الأوروبي سيكون كافياً لسد العجز، وربما يكون هذا هو الحل الأمثل. ما هي احتمالات ذلك في ظل تجاهل الكونجرس لتوقعات مكتب الميزانية في الكونجرس بهذه السهولة؟ في واشنطن، توقع أن تتعرض للسخرية إذا ذكرت هذا الاحتمال.
إن حجم التعديل المطلوب أدى إلى نوع من الشلل. فالإجراءات اللازمة تبدو جميعها مستحيلة سياسياً، فلماذا حتى نتحدث عنها؟ بل وأكثر من ذلك، يركز «الديمقراطيون» على برامج الإنفاق التي يريدون توسيعها، بينما يركز «الجمهوريون» على الضرائب التي يريدون خفضها. وقد يتخيل المرء نقاشاً حول ضريبة قيمة مضافة أميركية كوسيلة لتمويل برنامج إنفاق ضخم جديد، مثل الدخل الأساسي الشامل. لكن هل يُعقل فرض ضريبة القيمة المضافة لمجرد استعادة السيطرة المالية مع الإبقاء على سياسات الضرائب والإنفاق الأخرى دون تغيير؟ إن مفهوم السيطرة المالية نفسه، كما يُقال، قد تجاوز حدود المقبول.
قد يكون لخطة أقل راديكالية فرص أفضل قليلاً. مرة أخرى، تكمن المشكلة في النطاق. لن تكفي تغييرات ضريبية وإنفاقية متفرقة إلا إذا كانت شاملة حقاً، وكل زيادة ضريبية وخفض إنفاق منفصل سيكون غير شعبي بحد ذاته. في واشنطن المنقسمة بشدة، يكاد يكون من الصعب تصور لجنة مالية قادرة على وضع مثل هذه الخطة، ورئيس وكونجرس مستعدين لتنفيذها، تماماً كما هو الحال مع ضريبة القيمة المضافة الأميركية.
العامل الآخر الذي يعيق اتخاذ إجراءات في الوقت المناسب هو المرونة المذهلة للاقتصاد الأميركي. فكما رأينا من خلال الإدارات المتعاقبة، يستطيع هذا الاقتصاد استيعاب كم هائل من السياسات الخاطئة والاستمرار في النمو. وقد عززت هذه المرونة شعوراً زائفاً بالأمان، خاصة  ما يتعلق بالشؤون المالية.
على وجه الخصوص، تمتعت الولايات المتحدة لعقود بامتيازٍ استثنائي بفضل مكانة الدولار كعملة الاحتياط الرئيسية ووسيلة الدفع العالمية. وهذا يضمن طلباً هائلاً وثابتاً على سندات الدين الحكومية الأميركية. لكن لم يعد بالإمكان اعتبار مكانة الدولار أمراً مفروغاً منه. فقد شرعت إدارة ترامب في إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي، مستخدمةً جميع الأدوات المتاحة لها، وقد تنجح في ذلك. ويُقدم انخفاض قيمة الدولار مؤخراً، إلى جانب الارتفاع التدريجي في عوائد السندات، نصيحةً تحذيرية: احذر مما تتمناه.
ويُعدّ رد الفعل الفاتر على أرقام مكتب الميزانية في الكونجرس مؤشراً واضحاً على ذلك. باختصار، لو كنتُ من هواة المراهنات، لقلتُ إن أزمة مالية ستحدث عاجلاً أم آجلاً، لأنه لا شيء أقل من ذلك سيُقنع واشنطن بالنظر في المشكلة، فضلاً عن اتخاذ إجراءات لحلها.

*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»