يمثّل النموذج الإماراتي المعاصر بنية فكرية وسياسية ناضجة، تشكّلت خارج القوالب السائدة في التجربة العربية، بين أنظمة أيديولوجية وعسكرية، وقدّمت صيغة وطنية متوازنة قامت على ترسيخ المدنية والمؤسسات، ومراعاة إرث وواقع المجتمع الحضاري، مع استيعاب تطلعاته للمستقبل. ولم يبقَ هذا النموذج في حدوده الوطنية، بل غدا مساراً مؤثراً إقليمياً، يعيد مساءلة السرديات الأيديولوجية المغلقة في الشرق الأوسط، ويضعها أمام اختبار الواقع والإنجاز.
يقوم النموذج الوطني الإماراتي على ترسيخ المواطنة والتربية المدنية ضمن إطار الدولة الحديثة، بوصفهما أساساً للولاء والانتماء العام. وقد تأسست شرعيته على الولاء للدولة وقيادتها، فيما استمدّت شعبيته من منجزاته الملموسة ومكتسباته الوطنية، لا من فرض الوصاية باسم الدين والعقيدة أو إدارة المجتمع بمنطق الغلبة والقوة. هذا النسق المتوازن، الذي يجمع بين قوة المؤسسات واتساع الأفق الاجتماعي، أتاح للدولة الإدارة الرشيدة والفاعلة، وتحويل التنوّع والتعدد إلى مصدر استقرار وإثراء، بعيداً عن منطق الهيمنة أو الإقصاء.
فكرياً، أعادت الإمارات ضبط موقع الدين في الفضاء العام بوصفه مرجعية قيمية وأخلاقية، لا مشروعاً للسلطة ولا أداة للتعبئة السياسية. ومن خلال هذا التحول الحاسم، جرى تفكيك البنية الفكرية للإسلام السياسي، سواء في نسخته «الإخوانية» التنظيمية أو في نسخته الأصولية المتطرفة، عبر نزع الشرعية المعرفية عنها، وكشف تناقضها مع منطق الدولة الحديثة ومصالح المجتمع. لم يكن ذلك عبر معالجة أمنية فحسب، بل من خلال بناء نموذج وطني ناجح جعل الدولة المدنية الرشيدة بقانونها ومؤسساتها، المرجعية العملية الوحيدة لتنظيم الحياة العامة، وأغلق المجال أمام الأيديولوجيا الدينية بوصفها بديلاً عن الدولة أو وصياً عليها.
لم يعد نموذج الإمارات مجرّد تجربة ناجحة ضمن سياقها الوطني، بل تحوّل إلى صيغة مُلهِمة كسرت الأنماط الفكرية المألوفة في المنطقة. ولا يُستهدف هذا النموذج لأنه ينازع نفوذاً إقليمياً أو يزاحم أدواراً تقليدية، بل لأنه يُفكّك من الداخل الأسس الفلسفية التي قامت عليها الراديكاليات الدينية والأنظمة الرجعية معاً. فعندما تُبنى الدولة على الغاية الإنسانية، ويُعاد للعقل موقعه في إدارة الشأن العام، ويُستعاد للدين معناه الأخلاقي خارج منطق الهيمنة، تنهار سرديات التطرف تلقائياً، وتفقد الأنظمة المغلقة أدوات تعبئتها وشرعيتها. من هنا، يُهاجم النموذج الإماراتي لأنه يفضح خواء الراديكالية والرجعية، لا لمجرد أنه في خصومة مباشرة معها.
يلبّي هذا النموذج تطلّعات الشباب العربي وقطاعات واسعة من العقلاء في المجتمعات العربية؛ لأنه يفتح أمامهم أفقاً واقعياً للمعنى والفرص والمستقبل، قائماً على المشاركة في صناعة المستقبل المنشود.
وفي المقابل، يشكّل هذا المسار تهديداً مباشراً لمصدّري الأيديولوجيا الدينية وللأنظمة الرجعية معاً، إذ يسحب منهم القدرة على التعبئة والسيطرة، ويكشف عجزهم عن تلبية مطالب الإنسان في الاستقرار والازدهار، وهو ما يفسّر تحوّل هذا النموذج إلى هدف دائم للخصومة والعداء.
إنه نموذج يعلن بالفعل لا بالشعار أن الدولة الوطنية أقوى من كل أيديولوجيا، وأن المستقبل يُبنى بالمواطنة والمدنية لا بالوصاية والتغييب.
*كاتب إماراتي


