تميل السياسة الأميركية إلى الخلط بين الخلافات حول ما إذا كانت السياسة جيدة أم سيئة، وبين النزاعات حول ما إذا كانت دستورية أم لا. وتُعدّ ردود الفعل على حكم المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب مثالاً جيداً على ذلك.
ويبدو أن معظم المعلقين يميلون إلى أحد موقفين: إما أن الرسوم الجمركية سياسة سيئة وإساءة لاستخدام السلطة الرئاسية، أو أنها سياسة جيدة ودستورية. ومع ذلك، فإن المعايير المذكورة لا ترتبط ببعضها بعضاً.
أعتقد أن التعريفات الجمركية  سيئة، فهي تنبذٌ متهورٌ لأسس الاقتصاد الراسخة، مما يُعرّض للخطر القوة الاقتصادية الهائلة لأميركا. ولكن دعونا نتجاوز هذا. لماذا تُعتبر هذه السياسة، سواء أكانت ذكية أم غبية، غير قانونية؟
أصدرت المحكمة حكماً ضد معظم تعريفات ترامب الجمركية استناداً إلى ما يبدو أنه تفصيل فني دقيق. فبحسب حكم الأغلبية، يسمح القانون الذي يُفترض أنه يُجيز سياسة الإدارة الرئيسة - قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية - للبيت الأبيض «بتنظيم» التجارة في ظروف معينة، ولكنه يستبعد التعريفات الجمركية كوسيلة لتنفيذ هذه الوظيفة التنظيمية.
لاحظ أن كلمة «رسوم جمركية» لم ترد مطلقاً في نص القانون. إن التدقيق في تاريخ قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية والقوانين ذات الصلة يثير شكوكاً حول ما إذا كان الكونجرس قصد أن يشمل مصطلح «التنظيم» فرض الرسوم الجمركية - ومن الناحية الدستورية، يجب أن يكون هذا الربط واضحاً لكي تتوافق السياسة مع القانون.
تكمن مشكلتي مع الاستنتاج المحوري القائل بأن «التنظيم» لا يشمل الرسوم الجمركية في عبثيته الواضحة (وهو أمر نادراً ما يشغل بال كبار القانونيين). بغض النظر عما قصده الكونجرس أو لم يقصده، فإن إنكار أن الرسوم الجمركية وسيلة لتنظيم التجارة أمرٌ عبثي. تنظيم التجارة هو الغرض من الرسوم الجمركية. هل ينكر أغلبية القضاة أن ضرائب الكربون تنظم انبعاثات الكربون، أو أن رسوم الطرق السريعة تنظم حركة المرور؟ مثل الرسوم الجمركية، هي ضرائب هدفها التنظيم.
يؤكد القاضي بريت كافانو، في رأيه المخالف مع القاضيين صموئيل أليتو وكلارنس توماس، على هذه النقطة. هل ترى الأغلبية أن الإدارة يمكنها الاستجابة لحالة طوارئ مؤهِّلة بأدوات تنظيم مباشرة - مثل حصص الاستيراد، أو متطلبات المحتوى المحلي العقابية، أو قيود التصدير «الطوعية»، أو أي حواجز أخرى مهما كانت سيئة التصور أو ذات نتائج عكسية - طالما أنها ليست ضريبة؟ هل يمكن أن يكون الحظر الكامل على الواردات قانونياً في حالة طوارئ مؤهلة بموجب القانون نفسه، بينما تُعدّ تعريفة بنسبة 5% تجاوزاً تنفيذياً؟ الأمر يبدو متناقضاً بعض الشيء.
ورغم أن أغلبية الآراء تمحورت حول استنتاج مفاده أن الرسوم الجمركية لا تُنظّم التجارة، إلا أن 170 صفحة من الآراء المتباينة والمعارضة تتناول العديد من حالات الغموض والشكوك الدستورية الأخرى، والتي لم يُحسم منها إلا القليل في هذا الحكم، وسيعود الكثير منها إلى الظهور مع تقدم الدعاوى القضائية المتعلقة بسياسات ترامب التجارية المتغيرة باستمرار.

بدايةً، هناك مسألة استرداد الرسوم. لم يُقدّم الحكم أي توجيهات بشأن ما إذا كان ينبغي للمستوردين الذين دفعوا رسوماً جمركية غير قانونية أن يتوقعوا استردادها، أو كيف سيتم تطبيق أي آلية من هذا القبيل. وبغض النظر عن كيفية اتخاذ الإدارة لقرارها، ستكون هناك تحديات قانونية جديدة وارتباك مطوّل.
اقترح الرئيس على الفور فرض تعريفة جمركية شاملة جديدة - يا له من تناقض مع مبدأ «المعاملة بالمثل» - بموجب سلطة قانونية مختلفة، بالإضافة إلى تحقيقات قد تُفضي إلى فرض تعريفات جمركية على مستوى الدول بموجب قوانين أخرى. وعلى عكس قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية IEEPA، تُغطي هذه القوانين الرسوم الجمركية، ولكن تبرز تساؤلات أخرى. هل ستُعتبر إجراءات ترامب الجديدة جذرية أو غير مسبوقة لدرجة أنها تُخالف مبدأ «المسائل الجوهرية» للمحكمة، الذي يُطالب بتفويض صريح من الكونجرس؟ إلى أي مدى، قانوناً تلو الآخر، فوض الكونجرس بالفعل سلطته في تحديد الرسوم الجمركية؟ وما هي القيود التي يفرضها الدستور على هذه التفويضات؟ 
لقد تجاهل الحكم الصادر الأسبوع الماضي، في رأيي كشخص غير متخصص في القانون، أهم سؤال يتعلق بفصل السلطات في مجال السياسة التجارية: عندما يفوض الكونجرس تحديد الرسوم إلى السلطة التنفيذية بسبب حالة طوارئ، ما المقصود تحديداً بـ«الطوارئ»، ومن يقرر ذلك، وبأي ضوابط وتوازنات؟ إذا كان إعلان الطوارئ - ولو لفترة محدودة - يُعدّ من صلاحية الرئيس حصراً (بحجة أن السياسة التجارية سياسة خارجية، أو لأي مبرر آخر)، فما الذي يمنع البيت الأبيض من إعلان حالة طوارئ تلو أخرى باستمرار لأي سبب يختاره؟ بعض «حالات الطوارئ» من سبعينيات القرن الماضي لا تزال سارية حتى اليوم.

عندما يُطلب من المحكمة البتّ في هذه المسائل وغيرها من مسائل السياسة التجارية، ستُطلعنا بلا شك على المزيد حول معنى الدستور. لو كنتُ بصدد صياغة دستور جديد، لفضّلتُ توزيعاً للسلطات يمنح البيت الأبيض زمام المبادرة في مسألة الرسوم الجمركية، وذلك ببساطة لأنها تتطلب مفاوضات دولية معقدة تُضعف موقف المجالس التشريعية، إن صح التعبير. ولكن الأهم من ذلك، أن توزيع الصلاحيات الذي أفضّله لا علاقة له إطلاقاً بسياساتي المفضلة.
باختصار، يجب التفكير في مدى حكمة سياسات ترامب ومدى دستوريتها - فهما مسألتان منفصلتان. لا تطلبوا من الدستور كبح جماح رئيس مدعوم من الكونجرس. الحل الوحيد لذلك هو الانتخابات.

*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»